"هل أنتِ في بيتك"؟ سألني عبر الجوال. بدا سؤاله السريع نكتةً رديئة ومضحكة حدّ الأسى في زمن الكورونا.. فالعاقلون من بني آدم يركدون وحيدين محنّطين في بيوتهم هذه الأيام..
"طيب.. اكبسي الجرس لتفتح البوابة، أنا هنا أمام بيتك..".
شقتي في الطابق الأرضي، وكنت أتشمس بالوقوف خلف شباكها المطلّ على فناء البناية، حيث شجرة تفاحٍ وحيدة وعملاقة ترتفع أعلى من طوابقها الثلاثة، وفي نيسان تمتلئ حتى التخمة بزهورها البيضاء الأجمل من نجوم الصيف وأغزر منها وأكثر بهجةً وكرما، تهزها الريح فتنزل تويجاتها إلى شباكي نديماً بديلاً عن أنس البشر في زمن الحظر المنزلي علينا جميعاً..
أطلّ صديقي بصحبة دراجته.. يرتدي بالطو من النايلون وخوذة وماسك وجزمة طويلة الساق.. شكله وسطٌ بين حلّة النحّال الذاهب لجني العسل من قفير نحلاته أو رائد الفضاء المستعد للتحليق، أو خليطٌ عجيبٌ بينهما. وما كان زيّه سوى الخوذة النظامية والملابس الخاصة بقيادة الدراجة ويزيدها ببالطو النايلون وبالماسك حتى أعلى أنفه!
لم يدخل صديقي إلى بيتي، وقف تحت فيء التفاحة مقابل شباكي، ومن على مسافة أكثر من مترين، ضمّ يديه على صدره بقوة وحنان، كأنه يضمني أنا.. وأنا القابعة في بيتي منذ شهرٍ، وأحسبني في أقصى سعادتي وكأن غودو المنتظر قد حضر بشخصه إلي على هيئة عطلةٍ إجبارية تغيّبني في حضن القراءة والكتابة الحبيبتين طوال ساعات النهار والليل..
لكنني شهقتُ في لحظةٍ إذ رأيته، فار دمعي طارئاً ساخناً يكوي خديّ..
حركةٌ صغيرة، ضمةٌ افتراضيةٌ مرتجلة عاجلة عفوية كشفت حاجة مجنونة لرؤية البشر، للعناق البشريّ، للمسةٍ بشرية من قريبٍ أو رفيقٍ أو صديقٍ أو حتى مجرد غريبٍ يتقاسم معنا صفة البشرية، ونتقاسم معه أشياء كنا نظنها قليلةً أو صغيرة أو ثانوية..
ومع هذا؛ تظل تنقصها التفاصيل الصغيرة والبسيطة، أن أدقق في وجه صاحبي الذي يختفي خلف قناع، وجسده تحت زي الدرّاجة لأتبين حقاً كيف يشعر، لأتتبع زاوية فمه تنفرج أو تنكمش، كيف تتقلب ألوان وجهه حين ينفعل، كيف ترتسم الأخاديد الصغيرة حول عينيه حين أسأله: أهو معافى أم مريضٌ أم مكتفٍ أم حزينٌ أم متنسٌ أم مستوحد أم متشائمٌ أم.. وما الذي أخرجه من بيته ليأتي إليّ في زمن الحجر فيما بيته يبعد ساعة سفرٍ عن بيتي؟
قال لي: "هاتي كيساً كبيرا وافتحيه..". جئت بكيس، فقفز الشاب على رجل واحدة، برشاقةٍ وعجل، ورمى في كيسي كيساً مطويا على أوراق ليسقط كيسه الصغير في الكيس الكبير في يدي. قال: "لفي الكيس بدءاً من كعبه الى قمته وارميه في زاويةٍ قصيّةٍ في بيتك لمدة اسبوع على الأقل ثم استخدميه..".
أخبرني أنه مرض بكورونا، عانى كثيراً من ألم الحلق وفقدان حاسة الذوق والصداع المجنّن والحرارة حتى الهذيان، وبعد أسبوعٍ شفي ولا يزال لا يصدق أنه شفي.. وهذا أول خروجٍ له من البيت بعد عزلة خمسة أسابيع، راح إلى البنك ثم إليّ، ليعيد مالاً كان استدانه للضرورة القصوى من قبل عزلة كورونا. لم يطق أن يتخلف أو يتصل ليعتذر عن التأخير أو حتى ليخبرني أنه مريض حين كانت الحرارة تدكّ عظامه، وأول ما صار مسموحاً له بالخروج، اتخذ كامل احتياطاته الوقائية كيلا يتسبب في نقل العدوى إلي، وجاء..
كان بإمكانه ألا يأتي، أن يجعل من مرضه الشخصي بكورونا مظلمةً شخصيةً يمكنه استثمارها حتى آخر تفصيل، كذلك أنّ زمن الكورونا قد يطول وسيخجل الناس من المطالبة بديونهم عند الآخرين لأن الحال من بعضه لدى الجميع..
دروسٌ كثيرةٌ يمكن البناء عليها من زيارة صديقي الخاطفة، من لقائنا الحميم جداً من على مسافة مترين وبالطو من النايلون وماسك وظل تفاحةٍ وشباك مطبخ وكيسٍ صغير يدخل في كيسٍ كبير ويرمى بعيداً حتى أسبوع حتى لو كان فيه المال الذي أحتاجه اليوم لا غداً.. ما لا أخطئه من مشاعري أنّ فرحي بلقائه أكبر بكثيرٍ من فرحي بالمال، وجود الأصدقاء ثروةٌ لا حدود لقيمتها في كل وقتٍ وحال، بينما لا ينفع المال الورقي إلا بحدود أرقامه وأصفاره..
دروسٌ كثيرة، ليست دروس كورونا وحدها عن حاجة البشر إلى القرب، إلى العناق، إلى أن يداهمهم البكاء المر حين يصحون على حصار الوحدة الطويلة، وعن حجم المسؤولية التي علينا أن نحملها لحماية أنفسنا والآخرين من العدوى؛ بل دروس الإنسان الذي عليه أن يبقى إنساناً قبل وأثناء وبعد زمن كورونا حتى وإن غلبته ظروفه، أن لا يشبه ذلك الإعرابي الذي تاه في الصحراء وعطش وجفت عروقه، ولمح من بعيد خيالاً يتحرك، وبكل ما بقي فيه من رمق الحياة صاح يستنجد ويلوح له بعباءته، ورآه الفارس فجاء إليه وأردفه خلفه، وحين صار الإعرابي فوق الفرس، فكّر أنه إذا ساقها وحده سيخفّ حمل الفرس وتعود به أسرع إلى دياره فيشرب ويرتوي وتصبح الفرس ملكاً له!
دفع الأعرابيُّ الفارس من خلف فأوقعه إلى الأرض وساق بالفرس وحده. وقبل أن يبتعد نهض الفارس الأصيل وصاح بالأعرابي يوصيه بأمرٍ وحيد: ألا يروي الواقعة لأحد كي لا تنقطع النخوة بين العرب..