*في إحدى سنوات (السلم) قدّمتْ "زليخة" نفسها كأم على طريقتها التي لا تعرف سواها. داهم الموت زوجها الشاب باكراً وسريعاً، فأكملت حياتها أرملة.
عمّرت زليخة بيتاً على قدّ الحال، واستمرّتْ تربي ابنها الوحيد، وكبر الابن وتزوج وصار أباً لطفل. ارتأى ابنها أن ترحل زليخة من بيتها (ربما إلى دار العجزة) ليتسع المكان من بعدها له ولعائلته النامية. ضربها على رأسها بجرة الغاز، وفي المشفى أخبروها بحقها في أن تشكوه إلى القضاء ليقتصّ منه. من فورها صاحت زليخة فيما قناة الدم تسيل من رأسها المفجوج:
ـ لا يطيعني قلبي لأشتكي عليه. فقط خيطوا لي رأسي وأوصوا ابني ألا يعيدها ويضربني مرة أخرى..
*وما فعلته "آمال" في أولى سنوات الثورة السورية كان احتفاءً مختلفاً بالأمومة. كانت آمال تحدس بمصير ابنها المعتقل إثر خروجه في مظاهرة تهتف للحرية، وتعرف إلى أين ستودي صرختها في قاعة محكمةٍ لا عدلَ يرتجى منها:
ـ أنت الصح وهني الغلط، لا تخاف يا ابني وخلي راسك مرفوع..
*لاحقاً جاءت الحرب، واشتركت مصائر الجميع في فداحة الخسارات، واختلفتْ، جميعها، في كمّ الألم الفرديّ؛ ليس ابتداء ب "هند" التي فقدت عيناً أو يداً أو بكارة، ولا وقوفاً عند "فاطمة" التي ثكلت أو ترملتْ أو احترق ثوبها أو جلدها أو بيتها، ولا انتهاء عند كل "تاءات التأنيث" التي زلزلت الحربُ أمانَ أجسادها وحصون قلوبها وأرواحها؛ ولم تتوقف إحداهن لحظة عن محاولات النهوض..
نساءٌ وأمومات، من فطرة الأمومة في "زليخة" كما خلقتها الحياة دون تشذيب، إلى فكرة الكرامة في أمومة "آمال" التي هندسها الوعي والعلم والعمل والثقافة.
لكل أنثى دليلها الجواني الذي لا يخطئ ولا يخيب، ويبني ولا يهدم، ويسري بها، سواء في العتمة أو في النور، إلى بصيص الخلاص.
جميع النساء ينهضن من سقطاتهن مع فوارق جسيمة في الندوب الباقية فيهن وعليهن مدى الحياة، وهذا أمرٌ بديهي،
إنما ليس هذا بيت القصيد!
قضيتنا مع الظلم الاجتماعي الذي يطحن الرجال والنساء على السواء، ومع الحروب التي تطعن الجميع لا النساء وحدهن، ومع الديكتاتوريات التي تخنق أيضاً أرواح الجميع،
ومصائر النساء لا تنفصم عن مصائر مجتمعاتها!
أنا امرأةٌ؛ ولن أكون في الحرب أو في السلم سوى نفسي..
لا أحتاج أن أقضي حياتي في الخنوع للدكتاتوريات، أو أن أدفع حياتي أو حياة أولادي ثمناً لها،
أحتاج وطناً بلا حروب؛ لا أن تختبرني الحرب بكم يمكنها أن تؤذيني وأنجو،
أحتاج أن أحب نفسي وبلدي بلا إيديولوجيات، أن تمتلئ حياتي بالحب لا بالدمع والمكافآت على الدمع المدمّى،
أريد أن أحيا امرأة واعيةً ومسؤولةً وسعيدة بأن أعيش تجاربي الإنسانية الصغيرة والعادية،
أن أكون ما أريد لا ما تفرضه عليّ القضايا الكبرى،
أن يتيح بلدي لبنات زليخة وحفيداتها أن يربين أبناءهن وبناتهن على احترام الإنسان طفلا ورجلا وامرأة، ألا يتمزّق قلب آمال فداءً ليطلع صوت كرامتها عالياً بلا اختناق..
أن تغدو الكرامة حقاً طبيعياً للإنسان رجلاً كان أم امرأة..
نجاة عبد الصمد
نص منشور في مجلة بلسم الصادرة عن رابطة المرأة العربية النمساوية.