صدرت حديثاً عن دار سامح في السويد ومنشورات ضفاف في لبنان ومنشورات الاختلاف في الجزائر: رواية "أيتام الجبال" للروائية السورية المقيمة في ألمانيا د.نجاة عبد الصمد.

صدرت حديثاً عن دار سامح في السويد ومنشورات ضفاف في لبنان ومنشورات الاختلاف في الجزائر: رواية "أيتام الجبال" للروائية السورية المقيمة في ألمانيا د.نجاة عبد الصمد.

 

وجاء في الغلاف:

"الحالم بلا كلل، لا ينتبه إلى أنّ مغامرته الكبرى، منذ ولد حلمه بها، بدأت"، بهذه العبارة الجامحة كأوار نار، تفتتح نجاة عبد الصمد روايتها.

"سبيل"، طفلةٌ شغوفةٌ بالعلم، بنت بيتٍ فقير، ومحكومٍ بقواعد العقيدة الدرزيّة، تهدّدها بالشلع من مدرستها. ترعى البقرة وفي يدها عصاً وكتاب، وفي رأسها حلمٌ هائل، تقارع هذا العالم به وحده. بفورة عاشقةٍ وصبر أمّ، تمضي في نسج ثورتها الناعمة.

وفي حين يبدو تعليم البنات معارك لا تنتهي بين سبيل وأبيها، ينكشف عنف العقيدة، اللامرئيّ، على كليهما.

ما بين فضاءي السويداء جَنُوب سوريا، وأوكرانيا السوفييتية، تغوص الرواية في جوّانيّات جماعة الموحّدين الدروز في سوريا، وجوّانيات إمبراطورية السوفييت أوان احتضارها.

"أيتام الجبال"، روايةٌ تمنح للجرح قيمته ومعناه، تجرؤ على استنطاق كل مساحات الصمت والمسكوت عنه، تنتصر للحلم، لفردانية الإنسان، لأهل القاع، لقضية التعليم، لصرخةٌ الأنثى في وجه حرّاس الدين والقبيلة وكلّ تسلّطٍ فكريّ. 

 

من الرواية:

1 رحلةٌ تبتدئ

أيلول 1985 

الحالم بلا كلل، لا يلحظ أنّ مغامرته الكبرى، منذ ولد حلمه بها، بدأت.

 

موسكو، مطار شيريميتيفو، هبوطُ طائرةٍ سوريّة، تحمل مئةً وخمسين طالبًا؛ 149 شابًا، وأنا..

كيف للغتي أن تسترخي، أن تبطئ الخُطا، وقلبي يفور؟!

 

كنتُ في الطائرة جنب الشبّاك. بكى الشابّان على يميني لحظةَ الإقلاع، ولم يبتلّ لي جفن، أنا الشريدةُ كابن آوى. ليت لي رفاهَ دمعة، أشتري بها مدداً أم فرجا. لستُ خائفة، صرتُ على الضفة الأخرى من الخوف، كما كاتبٌ مخدوعٌ بشُبهة اكتمال روايته. مشغولةٌ باستيعاب أنّ الأمر حدث، أنني أطير، مشلوحةً بين الغيوم، وملامح دمشق تغيم، تتبدّد. واهمٌ من قال إنّ الأحلام خُلِقتْ كيلا تتحقّق، فالدرب لمن عبر. أفارق سوريا، وعليها في صدري عتب. لم تحمّلني ذكرى عناق أبٍ أو أمّ، أو ذكرى قبلةٍ أولى من حبيب، أو لمسةً مشبوبةً من يديه على عنقي، أو مرور أصابعه بشعري الأسود الطويل.

 

فككتُ عقدة إيشاربي، انفلتَ عن رأسي، شعورٌ أشبه بمسّ كهرباء، واخزٌ ومنعش. دسستُ الإيشارب مجعلكاً في جزدان يدي، ولو ينفتح شباك الطائرة لطيّرته منه في سماء الشام.

 

لا أعرف هذين الشابين، جاريّ في بطن حوت السماء، لكننا صرنا عائلة أرانبٍ تفرّخ الدمع حين أفردتُ قصاصة ورقٍ دسّتْها اشتياق في يدي في مطار دمشق، واستحلفتني ألا أفتحها إلا حين أصبح فوق، حيث لا عودة:

 

(إن كان يكفيكِ أنفاسي أقطّرها/ وأعجن الحزن في قلبي دواوينا.. ترحلين يا أختاه. كنا يتيمتين، وكلٌّ منا تجد الأهل في الأخرى. تعِبةٌ أنا يا سبيل. لماذا اخترتِ الرحيل؟ تعبةٌ أنا، وها نحن نفترق)!

يتيمتان نحن، ولم يمت والدانا. كنا نحن الثلاثة، أنا وأختي اشتياق وأبي، في مدى بعضنا، نتراشق بالرؤى، وأمي بعيدة.

. . .

قبل ساعات، ودّعني جمعُ رفاقٍ في مطار دمشق، ملؤوا قاعة المغادرين بالصخب، بزيّهم الجامعيّ، بقماشه الخشن المكويّ بصبر، حتى بدا أنيقاً. بدهشة عيونهم وهي تشهد معجزة سفري. عدنانُ من بينهم كان أكثر مَن يعنيني. تبلبلتُ في وداعه. ضحكتُ. قال بألم: “سنفترق، وأنت تضحكين”؟!. وضع في يدي 25 دولاراً: “كنتُ سأجلب لك هديّة. لكنّ المصاري عمليّة أكثر”. صافحني ولم يعانق، كان عناقُ الصديقة في أعرافنا عيباً.

 

هنا في صالة مطار شيريميتيفو، لا صديقَ واحداً في الانتظار. ثمة رجلٌ نعسان، يحمل كرتونةً بخطٍّ عديم الذوق: (الطلّاب السوريون إلى هنا..). تبعناه إلى حيث باصٌ كبير، يقعقع محرّكُه كطاحونةٍ تجرش الحصى، صعدنا إليه، أجساداً شابةً أذبلها الفراق والتعب، سار بنا وعيناي تستكشفان موسكو شارعاً شارعاً، وينكشف لي، وقلبي في أقصى ألمه، أنّ موسكو الاغتراب لا تشبه موسكو المهرجان المنقضي منذ شهرين. 

 

أوصلنا الباص إلى فندقٍ متقشّف، أشبه بنزل، ليؤوينا إلى أوان توزيعنا على امتداد “اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية”، امبراطوريّةٌ من خمس عشرة جمهورية، مساحتها سُدسُ الكرة الأرضية، تترامى بين قارتيّ أوربا وآسيا. 

 

ربض الشباب في انتظارٍ طويل، في كوريدورات الفندق وفي الحمامات وعلى الكراسي وعلى حقائبهم. وأنا، الصبيّة، منحوني غرفةً مشترَكةً مع بضع صبايا، ونبّهوني لأحرس أغراضي، ولم أظنّ أنّ فيها ما يُغري سارقاً. كان في الغرفة صبيّةٌ سوداء، وأخرى غامقة السّمار. سألتُها بلهفة: هل أنتِ عربية؟ وذبلتُ حين أجابتني:Indian . نعم، كان عليّ أن ألحظ زيّ الساري يُفصح عن منبتها. لم أبكِ. أنا لا أفهم اللغة الإنكليزية التي تتحدث الفتاتان بها. أتمدّد بفيض تعبي، أستعدّ للنوم ولا يأتيني. أتقلّب، أتمتم لنفسي: فكّي الصواري يا بنتُ، استريحي قليلاً، لا زال دربك في أوّله، تنتظركِ ليالٍ بلا نجوم، بحرٌ بلا شاطئ. أستوي جالسةً في سريري، أربّتُ على صدري: لا تهلع يا قلبي، صرْ حجراً، فلا أحصنةَ خلفك لتعود وتمتطيها.. 

 

ومن غمار لايقيني، أفرِد يديّ. أستجدي الغفو بتلاوة “رسالة الميثاق"

 

صحوتُ على صباح الاغتراب الأول. في الحلم قبّلتني دينا، صديقتي التي لم أودّعها في مدينتي فلحقتْ بي إلى حلمي في موسكو. بطانيةٌ واحدة كانت على سريري. بردتُ في الليل، ولا أحد أعرفه هنا لأخبره أنني بردتُ، ويكترث لما أخبره. تفقّدتُ جزدان يدي، الحمد لله لم تُسرَق دولاراتي. بقي معي من رحلة المهرجان 22 دولاراً، ومع هدية عدنان يصبح مجموعها 47، هي مصروفي الشخصيّ خارج راتب المنحة.

 

خرجتُ إلى البهو أستطلع. صبيّةٌ سمراء مثلي، تجلس مع حقائبها. أقول: "مرحبا"، على لهفة أن تردّ المرحبا ببحّة الحاء طالعةً من حنجرةٍ عربية، واستجابتْ. اسمها تهاني وهي من نابلس. فرزوها لتدرس في مدينة زاباروجيا. زاباروجيا، أعرف اسم هذه المدينة، يدرس فيها صديقي تميم. استمهلتُ تهاني قليلاً لأكتب له رسالةً من سطرين، أملي بوصولها لا أعلى من وصول رسالةٍ في زجاجةٍ مرميّةٍ في بحر. إن كان تميم لا يزال في زاباروجيا، سيعلم من تهاني أنني وصلتُ أخيراً إلى بلاد السوفييت. ودّعتُ تهاني بضمّةٍ أحنّ من نتاج تعارفٍ عمرُه خمس دقائق. لم أبكِ بعد. رحتُ أمشي. اقتربتْ مني صبيّة، حيّتني بدفء، "سهير، من الأردنّ". سهير هنا منذ أيامٍ تنتظر الفرز. لعلّها مثلي تبحث عن ظلال رفقةٍ برباط اللغة الواحدة، أو بسمةٍ من غريب، تهدهد خاطرها. قالتْ: “تعالي نروح إلى البحيرة القريبة”. حملنا من المطعم فتافيت خبزٍ وتبعتُها. لاحت لنا بجعاتٌ تسبح باسترخاء، نثرنا لها الفتافيت، فتسابقتْ نحونا.

 

حلّتْ ليلتي الثانية. أنا وحيدةٌ كفزّاعة حقل. ألفّ جاكيت الصوف حول رجليّ ليطرد عني بردي وقهري. النوم رجاءٌ مستحيل. اشتقتلّك يا بيّي. أنا في كربٍ يا أبي. كربي عظيم. رُح من رأسي يا أبي لأنام. أستعيدُ رسمَ فعلتي النكراء على ملامح وجهك، كأنّني رقّشتُه بالدم. أوه يا أبي، تراني عاصيةً وأنت غفورٌ رحيم. أستذكر تكويرة عينكَ اليمين. لمحتها أول أمس حين كنتُ قبالتك، حين، في جزءٍ من الثانية، انخطفتْ مني ابتهالةٌ إليها. كانت إلى جهة وقوفي في حضرتك. كانت جامدة. جمودُها حماني من أن تلتقي نظرتانا. لربما لو التقتا لم أقوَ على السفر.

 

أصيبتْ عين أبي اليمنى في واحدٍ من حوادث سيرٍ عديدة، نكّلتْ بجسده أيام شغله في التهريب، وكلّفه أحدُها تسعةَ أعشار بصره. أبقى له عُشراً ثميناً، استبسلَ كي لا أُجهز عليه وأنا أودّعه، أنا ابنته وشبيهته كما لو أنّه عطس فنزلتُ من أنفه على صورته، شبيهةً وعدوّةً انسلّتْ من صلبه في لحظة حبٍّ اقتنصها في غفلةٍ من عين الله.

 

صار صباحي الثالث أقلّ غباشاً. من بين كوابيس الليل أفقتُ على قرار. أبرمتُ عقداً مع طيف أبي كي يهادنني، كي يعترف أنّ قوله عني: “لستُ ابنته”، كان من طرف شفتيه لا من قلبه، كي يمهلني لأصوغ نفسي ابنةً تليق بالبنوّة، فأستعيده أباً لا ينكرني.

 

فرزوا سهير هذا الصباح لتدرس في مدينةٍ غامضة، كعالمنا الجديد. كانت خائفة. عانقتُها كأنها جاكلين، كأنها دينا، رفيقات مدرستي. لم أبكِ. عدتُ إلى جمع الطلّاب من مدينتي. كنا ثمانيةً سوريّين من مدينة السويداء، سبع شبابٍ وأنا، لم نتعارف إلا هنا في موسكو، لكنّ عصبةً مضمرةً ومتينةً تجمعنا، عمرُها من عمر أجدادنا الدروز. انطلق ثلاثةٌ منا اليوم إلى مدن مجهولة. وأنا والأربعة الباقون ننتظر. أخذتُهم إلى البحيرة. صرتُ أعرف مسربَ الطريق إليها وسط أدغال الخضار المزدحم حتى التخمة، وأرتال العصافير والحمام وطيورٍ أخرى غريبة، تسابقت كلّها إلى فتافيت خبزنا علناً، فيما تتسابق ذواكرنا في السرّ على لجم أنين الصدور. يحسدني أبناء مدينتي على بسمتي الدائمة، ولا أُكذّب ظنونَهم التي تقتفي مزقةَ أملٍ أو عونٍ أو سند. لا أعرف سريرتهم وهم كذلك، نحن لم نتبادل سردَ حكاياتنا الشخصية. أنا أصغرهم عمراً، لكنهم تكوّموا حولي كأبناء. آنسوا قلبي الطريّ كلبّ الخبز الذي في يدي. طفلٌ يلعب في الحديقة حول البحيرة، وجدّته قربه. ما اسمك؟ سألتُه. ابتسمتْ الجدة وأجاب الطفل: يوري! وانطلق يلعب بالكرة. انضممنا إليه، لا تعوزنا اللغة لنشارك طفلاً في اللعب، وتعوزني جولاتُ لعبٍ تاه عني يوم كنتُ في سنّ يوري. أجاريه في الركض، يكاد يقع. أمدّ يدي إليه. أكاد أقع. يسندني أحد رفاقي بيده. يد رفيقي باردةٌ وراجفة.

 

نستعجل العودة إذعانًا للتعليمات منذ يومنا الأوّل: لا تبتعدوا عن الفندق، قد يأتي قرار الفرز في أية لحظة. نكتشف نحن الخمسة، الآملون بدوام الرفقة، أننا تشرذمنا إلى جمهورياتٍ خمسةٍ في هذا (الاتحاد) السوفييتي. بعد فُجاءة الخبر لم نتودّع حتى. على باب غرفتي ورقةٌ مكتوبةٌ بعربيةٍ مفشكلة: (سابيلل رافييه/ سبروششا. وجود عند بوابة فندق ساعة 5). الساعة الآن: الرابعة والنصف. أحدّق في الورقة: سابيلل رافييه هي أنا، والله وحده يعلم أين تقع مدينة سبروششا هذه.

 

يتوجّس الطلاب القادمون للدراسة هنا من فرزهم إلى مدن مجهولة، يأملون بتوزيعهم على العواصم أو المدن الكبيرة، أو التي سبقهم إليها واحدٌ من أبناء بلدهم، ولا يُعطون حقّ الاختيار. قوانين الفرز أشبه بدولاب اليانصيب، كلٌّ وحظُّه. وأنا لا أعرف من أسماء مدن هذا الاتحاد سوى موسكو العاصمة، ولينينغراد الشهيرة، وزاباروجيا التي ذيّل تميم باسمها رسائله إليّ في السنة الماضية، ومدينة كييف حيث يدرس "زاهر"، ابن مدينتي وأحد الروّاد السابقين في نادينا الثقافيّ في السويداء. التقيتُه في إجازته إلى بلدنا لهذا الصيف، وأغراني بالدراسة فيها:

“كييف ثاني مدن العالم خضاراً بعد ريوديجينيرو البرازيلية، وهي عاصمة أوكرانيا، أجمل جمهوريات السوفييت، أجمل حتى من روسيا الاتحادية، والدراسة فيها حلمُ الطلبة الأجانب. أنا مسؤولٌ في خلية الحزب الشيوعي السوري، سأتوسّط لفرزكِ إليها، ونلتئم كأصدقاء من جديد، يحتاج الغريب إلى أصدقاء يسندونه..".

 

أعطاني زاهر رسالة توصيةٍ إلى عضوٍ في لجنة الفرز في موسكو، وحملتُ رسالته كمَن (تشكشِك أصابعها بالخواتم)، هكذا يكنّي مَثَلُنا الشعبيٌ عن الموعود بفوزٍ أكيد. آمنتُ بتوصيته كوثيقة فرزٍ إلى كييف، العاصمة الخضراء، والتي سبقني إليها واحدٌ على الأقلّ من أبناء بلدي.

في أيامي الثلاثة في فندق موسكو الرخيص، حججتُ إلى غرفة الاستقبال مراراً، أسأل عن (المسؤول) الذي أعطاني زاهرُ اسمه. وفي كل مرةٍ يُفهمونني بأدبٍ أنه في المشفى. وأنا آمل أن يشفى ويعود، إلى أن شرح المترجِم: ليس هو المريض، بل ابنته التي تتعالج في مشفى الأطفال،

"ولماذا يرافق الأب ابنته إلى المشفى وليس أمها"؟

"يا رفيكة، في بلاد سوفيت يشتغل رجال ونساء كل شيء سوى: شغل، حدانة أتفال، مرد أتفال"

"آها.. تقصد أنّ الرجال والنساء السوفييت يتقاسمون المسؤولية حتى في حضانة ورعاية أطفالهم حين يمرضون. شكراً على المعلومة يا رفيق. ساعدني أنتَ إذاً لكي يفرزوني إلى كييف"!

 

"يا رفيكة، أنا بس مترجم. غيره: لا"

مَن سيأبه لرجائي بأن أدرس في كييف؟ ربما العواصم الخضراء محجوزةٌ هنا أيضاً لأبناء الذوات. وهل كان هذا المسؤول سيهتمّ حقاً لو عثرتُ عليه؟ إنّه غضب أبي يطاردني، يدفع وجهي للريح، للسفر وحيدةً وصاغرة إلى مدينةٍ مجهولةٍ اسمها سبروششا، لا أعرف أحدا فيها ولم أسمع حتى باسمها. حتى الآن لم أبكِ.

 

أصعد إلى غرفتي في الطابق الثاني، أقطع الدرجات اثنتين اثنتين لألحق تبديل ثيابي والنزول بحقيبتي، وأخيلةُ دربي المجهول تومض في رأسي. سأبدأ رحلة العلم بأجمل طقمٍ لديّ، هو في الحقيقة طقمي الاحتفاليّ الوحيد، خاطته لي حكومتي إلى رحلة المهرجان. سأدّخر بنطال الجينز ليومياتي القادمة، فهو أول بنطال جينزٍ لديّ. اشتريتُه من بسطات البضائع المهرّبة في شارع الشعراني، حيث تنتقي البنات الفقيرات ما يواكب آخر صيحات الحداثة. أُدير مسكة الباب. الباب مُقفل. أطرقه ولا جواب. كيف تخرج رفيقتاي الإفريقية والهندية ولا تتركان المفتاح معلّقاً على جداريّته في غرفة الاستعلامات؟ أعود إليها لأطلب عون الموظفة العجوز. وفيما أشرح لها بالإشارات، ثم تقوم من مقعدها وتمشي ببطء حتى بابٍ جانبيٍّ وتختفي خلفه، تتآكل هذه النصف ساعةٍ ما بين الرابعة والنصف والخامسة، بسرعةٍ موجعة. تعود العجوز بجنطاسٍ بلاستيكيّ تتكوّم فيه نُسخ المفاتيح الاحتياطية لغرف الفندق. جنطاسٌ نسخةٌ عن أخيه في بيتنا.

 

على الغداء كنا نضع اللبن الخاثر في جنطاس البلاستيك بجانب صينية المجدّرة، طبخة غدائنا الوحيدة. نجلس نحن الأخوات كالمكدوسات المصفّفة برصانة، يبسمل أبي ونحن بعده، ثم يدلق اللبن على الصينية ويخلط المزيج، ونبدأ بمدّ أيادينا بلقمة خبز الصاج إلى الخليط البغيض، نُغمّسه ونزدرده. لم يكن في بالي الاعتراض على طبخة البرغل والعدس. يغرينا أهالينا بحبّ البرغل، يقولون إنّه مسامير الرّكب، يغذّينا ويشدّ قوامنا لنكبر معافين، يعتذرون بمديحه عن غياب اللحم عن موائدنا. ولا كنتُ أحلم بالأكل من صحني الخاص. كنتُ أرجو فقط لو أغمس الخبز بالمجدّرة الناشفة وحدها، وأغرفَ اللبن بالملعقة من الجنطاس، ليأتيني الطَّعمان متمايزين، كلٌّ بفرادته. ولا أجرؤ على طلبٍ صغيرٍ كهذا من أبي.

 

سارت الموظفة أمامي، تحمل توءم جنطاسِ بيتنا إلى غرفةٍ أتهاوى فيها منذ ثلاثة أيام، في مدينةٍ تبعد عن بيتنا بما يكفي لأدرك أنّ صدى النداء بالشوق، أو بطلب الغفران، لن يصل. نصف الساعة يجري لاهثاً، ونحن نجرّب جميع المفاتيح حتى الأخير؛ الأخير حقّاً كان مفتاح غرفتي، فيما لم يعد في رأسي سوى فراغ، واللاوعي وحده يسيّرني لألحق بموعد قطاري إلى المدينة، التي اسمها سبروششا. ينفتح الباب في الدقيقتين الأخيرتين. أفتح حقيبتي لأطال طقم المهرجان، أجدها منكوشةً في غيابي، والطقم مفقود. ليس لحقيبتي قفل. كانت الحقائب المزوّدة بأقفال غاليةً في سوق السويداء. مَن سرق الطقم؟ لا وقت للسؤال ولا للبكاء. لم أفتقد فيما بعد من أغراضي سواه. كانت فخامتُه نشازاً وسط مقتنيات سفري، وبعد انسلاله منها عادت تنتظم بطبيعيّة انتمائها الشعبيّ من جديد. أستبقي بنطلون الجينز على جسدي وألقح على ظهري جاكيت الصوف وأنزل. أصير أمام الباص الصغير في تمام الخامسة، شكراً لأنه لم ينطلق إلى محطة القطار من دوني. يستعجلني مترجمنا لأصعد. لم يعرض أن يحمل حقيبتي عني. سوف أعتاد منذ اليوم أن النخوة بمفهوم بلادنا غائبةٌ عن مكاني الجديد، وعلى الفرد هنا، رجلاً أو امرأة، أن يتدبّر أموره بنفسه..