مطارق كثيرة تلك التي ظلّت تهوي على الفتاة «سبيل»، ربما كان أشدّها وقعا المنع من أي انسياق وراء الرغبات، بدءا من أكثرها طبيعية وعادية، وصولا إلى إلحاح الفتاة على الدخول في المدرسة.
مطارق كثيرة تلك التي ظلّت تهوي على الفتاة «سبيل»، ربما كان أشدّها وقعا المنع من أي انسياق وراء الرغبات، بدءا من أكثرها طبيعية وعادية، وصولا إلى إلحاح الفتاة على الدخول في المدرسة. ومن يمنع ليس الأب وحده، «الجويّد» المنتسب إلى متعبدّي طائفته (الموحدين)، بل تلك السلسلة الممتدّة من الفقهاء والعلماء، منذ بدء تكوّن العقيدة. الأب هو حارس الوصايا لأولئك جميعا وحامل رسالتهم. والمنع الذي يقوم برعايته غير مقتصر على اتّباع التعاليم والعمل بموجبها، فهو منتشر في تفاصيل العيش الدقيقة، ومن بينها ملاحظة النظرة حين تخطئ، والكلمة حين تُقال، والقلب، المحتجب خلف الضلوع، حين تندّ عنه خفقة.
هذه التفاصيل استغرقت الحياة كلها، بطولها وعرضها، مترافقة مع الفقر، المقدّس في الشعور العقيدي والمرير في العيش. وقد أتاح الفقر لكائنات تعيش مع البشر، مثل البقرتين اللتين يعيش أفراد البيت مما يجود به ضرعاهما، إلى رفيقتين ظلّتا متذكَّرتين مع انقضاء الزمن، أو إلى شخصيّتين حاضرتين، حين تقرّر سبيل أن تصوغ من حياتها رواية هي بطلتها بمشاركة كل من كان هناك، من بشر وغير بشر.
هي رواية عائلية، أو هي سيرة عائلية على الأغلب، تروي كل ما يمكن تدوينه عن الحياة: كل ما كان في البيت الأول، وما كان في البيت الثاني، وكذلك بيوت الجيران، والأقارب، أخوالا وأعماما، والأولاد في المدرسة، والفقر الماثل أبداً.
أن تنتسب سبيل، هي واختها اشتياق، إلى المدرسة، فهذه فعلة، في نظر الأب، تهدّد العائلة بالإبعاد من مجتمع الأهل الواسع. إن حَقَّ للبنت أن تتعلّم فلغاية واحدة وهي، أن تستطيع قراءة «الميثاق» الديني الناظم لكل ما يتعلّق بالسلوك، دنيويا وأخرويّاً. وهذان العالمان متداخلان متعايشان، بالنظر إلى أن الاعتقاد بالتقمّص، مثلا، ليس اعتقادا منفصلا عن العيش، إذ هو حاضر فيه واصلا الغيبي باليومي. لكن الأختين تمكّنتا من الدخول إلى المدرسة، بدعم من أقارب ومجتهدين في الدين. لكن هذا التوسّط ينبغي أن يُعاوَد، قويّا أيضا ومضنيا، مع مطلع كل سنة دراسية جديدة، ذاك أن الأختين لم تكتفيا بما كان تحقّق لهما مرّة، بل عليهما أن يعاودا سعيهما لبلوغ ما ليس متاحا لهما تحصيله، وقد استمرتا في ذلك حتى بلغتا الجامعة. وسبيل، الصغرى بين الإثنتين، تعدّت الجامعة إلى رغبتها بالدراسة في الخارج.
من هنا تبدأ الرواية، من الطائرة المقلعة إلى الاتحاد السوفييتي لتبدأ الإبنة المتفوّقة دراسيّا بدراسة الطبّ في إحدى جامعاته. لكن الرواية قطعت الرحلة من أوّلها، أو أرجأت وصف تفاصيلها. فبدلا من أن يكون ما سبق وصفه عن الحياة في السويداء مقدّمة للتحول إلى مغامرة العيش الجديدة في بلد جديد، لم يلبث التذكّر أن أعادنا إلى هناك، إلى السويداء، مستأنفا حكايتها. هكذا يظل الكلام عن المجتمع الجديد مؤجلا، تصف الروائية ملامح أولية منه مع بداية كل فصل جديد، لتعود من ذلك إلى مصدر المطارق الثلاثة، أو الأربعة، التي لخصتها الرواية بالدين والفقر وغياب العزوة.
لا شك في أن قارئ الرواية، لأسباب تتعلّق بالفضول أو التشويق، كان يؤثر أن تبقى الرواية هناك، في البلد الجديد الزاخر، أي بما يمكن أن يأتي بالغريب والمفاجئ. لكن الروائية سلكت الطريق الآخر مبقية على موضوعها الذي بدأت به روايتها. كان على القارئ إذن أن ينتظر تتالي الفصول حتى يصل إلى الاتحاد السوفييتي. فهناك، منذ وصولها إلى موسكو وانتقالها من هناك إلى مدينة زاباروجيا حيث مقرّ جامعتها، راحت تبحث عن تميم، الصديق من أيام السويداء، لتبدأ حياتها الجديدة معه.
أي أننا لم نقرأ عن الانتقال المغيّر للحياة، ذاك الذي هو أحد الثيمات الأساسية في الأعمال الروائية. لم تزوّد نجاة عبد الصمد قارئها إلا بالقليل من مغامرة ذاك الانتقال الذي أتيح لها فيه أن تقيم مع زملاء قدموا مما لا عدّ له من البلدان. وهي شهدت، بوجودها هناك، وقائع قليلة من الانهيار الذي فكّك تلك الامبراطورية الهائلة الضخامة والقوّة. لم يحظ قارئها من ذلك إلى بالقليل، متأخّرا حتى نهاية الرواية، وقليلا حيث ظلّ تذكّر الأهل، بمساعدة من تميم أحيانا، حاضرا بقوّة رغم وجودها في ذلك الخضمّ.
لقد سلكت نجاة عبد الصمد المسلك غير المنتظر إذن. رأت أن ما يستحقّ أن يُروى هو ما كان هناك في السويداء، مع الأب والأم والأخوات الثماني والأخ الأصغر الأخير، وكذلك التاريخ الباقي العصيّ على التغيّر، أعني بخلاف ما حصل في الإمبراطورية الشاسعة.
*»أيتام الجبل» رواية نجاة عبد الصمد صدرت عن «منشورات الاختلاف» في الجزائر بالتعاون مع «منشورات ضفاف» و»دار سامح للنشر» في 397 صفحة – سنة 2025.