لا يُخفي عنوان رواية «بلاد المنافي» ولا غلافها الدّلالة المباشرة على الاغتراب، وما يستتبعه من معاناة وقسوة في التكيّف مع محيط مغاير لغةً وسلوكاً وطبائعَ وتقاليدَ! ويأتي التصدير بعد العنوان ممهِّداً للمتن،

مشحوناً بالعتاب الرقيق، ليؤكّد على التعلّق بالوطن وتمنيّ البقاء فيه: «كاد يُبَّحُ الرجاء...أحبّينا وكفِّي عن تهجيرنا». وما بين الرغبة والواقع ترصد الرواية حياة شخصيّات سورية عدّة من جبل العرب تتوزعها المنافي البعيدة والقريبة، الاختيارية والقسرية، بحثاً عن لقمة العيش، أو فرص العمل والعلم، منذ ثلاثينيات القرن العشرين حتى مطلع الثمانينيات، في كلّ من: أميركا، وفنزويلا، وصوفيا، وباريس، والسعوديّة، وليبيا، ولبنان!

يتوالى السرد في «بلاد المنافي» عبر مسارين: ينهض الأوّل بصيغة ضمير المتكلم على لسان الراوي المشارك موزّعاً ما بين «المؤلفة الضمنية» صاحبة مخطوط «بلاد المنافي»، و«الشاعر» صاحب دار النشر، الذي سينظر في صلاحية مخطوطها. وينهض الثاني بصيغة ضمير الغائب على لسان الراوي العليم، كليّ المعرفة، الذي يكتفي بدور الشاهد المحايد على ما حدث حيناً، ويطلّ برأسه من بين السطور حيناً آخر بوصفه قناعاً للمؤلفة الحقيقية لا غير. ومنعاً للالتباس من تداخل المسارين جاء بنط الطباعة في المسار الأوّل غامقاً مُشبعاً، فيما جاء في الثاني فاتحاً عادياً. وهذا التباين عزّز استقلالية كلّ مسار على حده، وهيَّأ المتلقي لحكايتين، وإن تشابكت أحداثهما، وشخصيّاتهما: حكاية صاحبة مخطوط «بلاد المنافي» مع الشاعر، التي تدخل في سياق «الميتارواية». وحكاية أبطال رواية «بلاد المنافي» نفسها، المطبوعة، والموزّعة بين أيدينا. 
الحكاية الأولى:
السرد بضمير المتكلّم في هذه الحكاية، يوهم بتطابق أو بتماهي صوت الراوية أو المؤلّفة الضمنية في النّص مع صوت المؤلفة الحقيقية في الواقع، كما يوهم بواقعية التجربة، وحقيقية الشخصيّات. ومن هنا فإن علاقة الحبّ الصامت التي عاشتها صاحبة المخطوط منذ كانت في ربيعها السادس عشر، وعلى مدى ربع قرن، مع الشاعر، دارس العلوم سابقاً، وصاحب دار النشر لاحقاً، الذي لم تذكر اسمه أيضاً هرباً من التعيين! أضفت على السرد أبعاداً تشويقية ودرامية، عزّزتها علاقة الحب المستحيل التي عاشها الشاعر نفسه مع صديقته اليسارية، اللاذقانية «ندى»، التي تنتمي إلى مذهب دينيّ آخر يقف حاجزاً بينهما.

تبدأ حكاية صاحبة المخطوط مع الشاعر من لحظة تقديم مخطوطها إليه، ووعده لها بالردّ. وما بين استلامه للمخطوط وردّه تستعيد الراوية عبر تقنيات الاسترجاع، والتداعي، والرسائل، صورته القديمة قبل خمس وعشرين سنة، وتلك الأمسية الشعرية التي استمال فيها قلبها، والمقعد الحميم الذي حجزته له في حديقة قلبها. كما تستعيد قصّة حبه لندى، وسفره إلى صوفيا، ومعاناته في غربته. وصولاً إلى تبادلها الرسائل معه عبر صديق مشترك خلال استقرارها مع زوجها الطبيب في باريس. 
ومع مجيء ردّه بعد خمسة وعشرين يوماً من الانتظار، طالباً التريّث في نشر المخطوط بذريعة تقليديته، وافتقاده للتشويق، تقرّر ساخرة أن تكتب عملاً آخر عن أناس آخرين لا يشبهون أبطال مخطوطها الذين أضاعوا أعمارهم في المنافي. ولكن بعدما تكون قد سردت لنا على لسان راوٍ آخر حكاياتهم مع الغربة والكفاح والانتظار وطريق الموت الذي ابتلعهم. 

بدا الاشتغال الفنّي على اللغة في هذه الحكاية معلماً بارزاً، ومتناغماً مع حميمية البوح، وشاعريته، ورومانسيته. فجاءت مشحونة بكثافة انفعالية عالية عبر الاستعارات والكنايات المتزاحمة، مثل: «حطّت ظنون الخيبة رحالها آمنة في رأسي ص13». «يصهل الحنين بين أصابعي وهي تمتدّ لتسحب صورته الأولى..ص14». «ما حاجته إليّ أنا ـ جزيرة الظلّ التي لم يرد فيئها أحد ص 57». 
وجاءت العناوين الداخلية الفرعية محايثة لدلالات متونها، ومشكّلة نقاط استناد رئيسة في الربط بين الأحداث والشخصيّات والأمكنة وسياقاتها. وذلك ما ولّد لدى القارئ وحدة الأثر والانطباع، ومتعة القراءة، والتركيب والاستنتاج في آن معاً.

الحكاية الثانية: 
لا تعدو الحكاية الأولى ـ على أهميّتهاـ أن تكون إطاراً عاماً للحكاية الثانية الأساس، أو هي حكايتها ما قبل الطباعة. وما الطباعة إلا الانتقال بها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. 

وإذا كان الراوي المشارك في صيغة ضمير المتكلّم هو الذي ينهض بالسرد في الحكاية الأولى ويوهم بتطابق صوت الشخصية مع صوت الراوي، فإن الراوي كليّ المعرفة في صيغة ضمير الغائب هو المهيمن في الحكاية الثانية، فنراه خارج نطاق الحكي، يقف وراء الأحداث والشخصيّات، وينطق باسمها، ويوجّهها من بعيد نحو مصائرها. وهذا ما يتيح له أن يعرف عنها أكثر مما تعرف عن نفسها!
لا يشارك الراوي في الأحداث، بل يرويها، وهذه الرواية تتلوّن بمنظوره الفكري والجمالي للحياة من حوله، الذي يلتقي بهذا القدر أو ذاك مع منظور الكاتبة نفسها، الذي نعاينه في النزعة الإنسانية العميقة، والانتصار للكادحين والمقهورين، والتحذير من الهجرة إلى بلاد المنافي تحت أي شعار كان، والانحياز للواقعية في التصوير الفنّي. 
يتمحور السرد في هذه الحكاية حول أسرة أبي علي وأبنائه: عليَ، وفارس، وصالح. وتستأثر حياة عليّ، وزوجته بدر، وأبنائهم: هاني، وليلى، وسامر، وسعد، وربيع، وخالهم يوسف، وابن عمهم محمود، وخالتهم زينة، وزوج خالتهم حمود، وما يحيط بهم من شبكة علاقات واسعة، بالخط العام للبرنامج السردي. يتبعهم في ذلك ثلة أصدقاء الطفولة والشباب: سراج، وأحمد، وفائز، ومنير، ومحسن، وهدى، وسها، وما يحيط بهم من أهل وأقارب مثل والد سراج، وأمه فدوى، وأخويها: عارف العائد من فنزويلا، ومسعود المقيم في أميركا، ووالد محسن، وأمه، وأعمامه المقيمين في ليبيا وزوجاتهم. 
ويتنامى السرد متتابعاً بشكل خطيّ عبر ترسيمة: «تعلّق اللاحق بالسابق»، حيث يستتبع ذكر شخصية ما ذكر المقرّبين منها، كما يستتبع سردُ حكايتها ورصدُ مصيرها، سردَ حكاياتهم وتتبّعَ مصائرهم أيضاً.
إن مجمل هذه الشخصيّات الرئيسة منها والثانوية، النامية والثابتة، تعيش صراعاً بين أحلامها في حياة كريمة وشروط واقعها القاسي التي تتحكّم في مساراتها سواء في وطنها أم في الغربة. ويكاد يكون الشعور المرير بالخيبة الثيمة المركزية التي تسم حياتها ومصائرها. فالأب «علي» يعود من السعودية بعد غربة طويلة ليموت بالسرطان، والخال مسعود يموت غريباً في أميركا بعد شلل أبيه، وموت زوجته، وإدمان ابنه على المخدّرات التي كان يتاجر فيها! والشاب محسن يهاجر إلى ليبيا تحت إغراءات عمه هناك فيكتشف تخليه عن أسرته وزواجه من «سعاد» الليبية، فيما زوجته تقع تحت ضغط الحاجة المادية والغربة فريسة سهلة لطالبي المتع العابرة. وأحمد يترك المدرسة ليعيل أسرته، والخال يوسف ينهكه داء السكّري، ومنير تلتهم أصبعه أداة النجارة فيما والداه يعملان خادمين في أحد قصور لبنان! 
وفي سديم هذا الخراب الذي يلف الجميع، يبرز «سراج» الحائر بين دراسة الطب والهندسة، وبين البعثة إلى موسكو، أو البقاء قرب رفاقه الذين أسس معهم فرقة فنيّة تغنّي للحب والسلام. كما تبرز «ليلى» الحائرة بين حبها لسراج، وزواجها من ابن خالتها كمال!
وفيما ترتسم ملامح بعض الشخصيات وطباعها ومساراتها عميقاً في مخيّلة ووجدان القارئ مثل: علي، وسراج، وليلى، ومحسن، ومسعود، لما تعيشه من تناقضات وصراعات وأحداث، وما تواجهه من اختيارات مرّة في حياتها، فإن بعضها الآخر يمرّ مروراً عابراً، ويكاد لا يترك أثراً ما، مثل: سامر، وسعد، وربيع، وزوجة فارس، ورائدة، وحسّان. وتفتقد الرواية برمّتها إلى الشخصيّات الإشكالية التي تعيش تناقضات حادّة في سلوكها ومواقفها وتحوّلاتها.

تقنيات السرد: 
تبدو تقنية الاسترجاع التقنية الأثيرة لدى الكاتبة، كما في استعادة سيرة حياة كل من: علي، وأبيه، وأبنائه، وزينة، وحمود، وعارف، ومسعود، وأبي سراج، وفدوى، ومحسن، وأعمامه. وعبر هذه التقنية ينطلق الراوي من لحظة راهنة في السرد إلى الماضي البعيد فالقريب، محاولاً الكشف عن مسار شخصياته ومآلاتها. وتحضر تقنية الاستباق على استحياء في مواضع قليلة ممهّدة لما سيأتي من أحداث وتحوّلات في حياة الشخصيات، كما في الاستباق الممهّد لترك محسن الدراسة والسفر إلى ليبيا: «يسدل يديه على جانبيه بارتياح كأنه يروي في لحظة الصورة تلك ما سوف يكون عليه مصيره، حين ترك بعدها الدراسة بسنوات قليلة، وسافر إلى ليبيا ص 61».
ويكثر الحذف الذي يربك القارئ أحياناً، فتسقط مراحل من حياة الشخصية دون الوقوف عندها أو الإشارة إليها، كما في الانتقال المباشر إلى زوجة فارس «ص45» الذي عرفه القارئ قبل صفحة واحدة عازباً! في حين تُذكر تفاصيل كثيرة لا فاعلية لها في تنامي السرد، أو في إضفاء أي قيمة تعبيرية أو دلالية للحدث أو للشخصيّة، كما في تفاصيل الزيارات العائلية لأهل ليلى «ص 220».
وتستثمر الكاتبة نصوصاً شعرية عدّة لشعراء عرب وأجانب كاستهلالات فنيّة، أو تناصّات دالة تعزّز وجهة نظرها في سلبيات الهجرة، من عمرو بن الأهتم، وبدوي الجبل، والماغوط إلى كافافي وسواه. كما تستثمر الأغاني والأمثال الشعبية في غير موضع بغرض تعميق الإحساس بخصوصية البيئة في جبل العرب، من مثل: 
«يا ربي يا جالـــــب الغياب ترد للــدار راعيـهـا
وتجبلي شوقي كحيل العين لجروح قلبي يداويها».
«بنت الأصل عانت واستعانت، وبنت الندل حطت راسها ونامت»، «هذه قسمتنا، الله أعطى، الله أخذ »، «الفقر جنازير السباع».
وتأتي تقنية التلخيص التي تُسقط فترات غير مهمة من حياة الشخصية لتقوم بتسريع وتيرة السرد والتقدّم بالأحداث، كما في تلخيص حادثة تعيين صالح شرطياً في وزارة الداخلية وفرزه إلى الجزيرة السورية، وما واجهه هناك ص 124.
وغالباً ما يأتي الوصف مصطبغاً بمشاعر الكاتبة نحو بيئتها، ودالاً على صوتها لا على صوت الراوي: «بقيت الصخور الكبيرة متناثرة وسط الأرض، تعطّل حيّزاً من تربتها الحمراء الخيّرة الواهبة موسماً وحيداً في العام، يطعم الأهالي قمحاً مباركاً، وحيواناتهم شعيراً وتبنا ص29». وكثيراً ما ينحو هذا الوصف منحى تسجيلياً فوتوغرافياً، بغرض مطابقته للواقع.

تجربة على الطريق:
إن امتداد زمن المتن الحكائي على أكثر من نصف قرن، واتساع وتعدّد أشكال الفضاء المكاني، وغزارة الشخصيات من أجيال عدّة، كلُّ ذلك أسهم في انفلات زمام الحبكة من يد الراوي، فغلب طابع السرد الإخباري، عبر الرصد والتركيز على التفاصيل الصغيرة من زيارات ولقاءات وأسفار دون الغوص في أعماق الشخصيات واستبطان نوازعها وطباعها وسلوكها. ومن هنا بدت الرواية أخباراً عن شخصيات، ووصفاً لأحداث ومظاهر، لا تصويراً لأفعال. كما لم يسلم السرد من اقتحام صوت الكاتبة لمساره وبث آرائه المباشرة بين مسافة وأخرى: «لحقت أمها قطيع العقل الذكوري الغيبي الذي يلهث مقلّداً فكرة تربّى عليها، دون أن يكلّف نفسه عناء التفكير في عدالة حكمه ص 38».
لقد بدت الحكاية الأولى، حكاية صاحبة المخطوط والشاعر، أكثر اشتغالاً على جماليات اللغة، وعلى الشخصيّة الروائية من حيث كونها شخصيّة متحوّلة، قلقة، متردّدة، تُصوّر عبر أفعالها لا عبر أقوالها فحسب. كما تحرّر سردها من الرتابة والترهّل عبر التنويع ما بين المونولوج والحوار والوصف والتداعيات والرسائل، وهو ما كادت تخلو منه الحكاية الثانية.

إن الكاتب الروائي بات مدعواً الآن أكثر من أي وقت مضى إلى التنويع في تقنياته، وصيغ رواته، وأشكال تقديم الفضاء الزماني /المكاني، والانتقال من سياق السرد الإخباري في تقديم الشخصيات والأحداث إلى السرد الدرامي الذي يُعنى بعرضها ومسرحتها بالقدر الذي يحقّق لها ديناميتها العالية وتأثيرها العميق. ولعل هذا ما ننتظره في عمل «نجاة عبد الصمد» المقبل، بعد تجربتها الأولى التي تكمن قيمتها الأساسية في إخلاصها لبيئتها المكانية وسكانها وعاداتهم وما مرّ عليهم من ظروف قاسية، وفي نأيها عن المقاربة الساذجة لثالوث الجنس والدين والسياسة التي وقع فيها بعض كتّابنا وكاتباتنا من الجيل الجديد.