بعد أن أطلقت سيمون دي بوفوار مقولتها الشهيرة: „لا تولد المرأة امرأةً، بل تصبح كذلك”، واتخذت بعض اتجاهات الحركة النسوية (الموجة الأولى)،

فيما بعد، من تلك المقولة شعاراً لها، تم تبرئة الطبيعة والبيولوجيا من العسف الذي حل بالمرأة على مدار التاريخ الذي صنعته البطرياركية، وتم اعتبار أن المجتمع والثقافة هما المسؤولان عن ذلك العسف التاريخي. لكن الدراسات النسوية لاحظت أن ثمة أسباباً أخرى إضافية، من بينها المكان، من حيث إنه يُصاغ على أساس جندري (التمييز بين المرأة والرجل) ومن ثم يصوغ العلاقة بين الرجال والنساء، وأيضاً يصوغ الهوية التي تحدد وضع المرأة بالمجتمع، وعلاقات أفراد المجتمع ببعضهم، وتصف الدراسات الاجتماعية عموماً، والنسوية خصوصاً، تلك العلاقات بعلاقات القوة.
التراثان الاستعماري والاستشراقي ينطويان على ذخيرة هائلة من الدراسات التي تصبغ مجتمعات بأكملها بصبغة واحدة وتُظهرها كما لو أنها جوهر تلك المجتمعات. الدراسات الاستعمارية سوّقت لحالات تبدو فيها المرأة وهي مستعبدة في المجتمعات المراد استعمارها، أو المستعمَرة ليصار إلى تبرير ذلك الاستعمار بوصفه: محرّر المرأة. خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر صنع المستعمِر بطاقات بريدية لنساء جزائريات يجلسن في الأماكن المخصصة لهن وهن ممنوع عليهن مغادرة المنزل، وأخريات يرتدين الثياب مع فتحة على الصدر تُظهر الأثداء، وأخريات يجلسن في وضع تبدونّ فيه أنهن جاهزات للجنس في أية لحظة... ثم تم اكتشاف أن هذه الصور هي من صناعة المصورين الذين أحضرهم معه الاستعمار حيث تم استئجار نساء جزائريات يقبلن أن يتم تصويرهن بهذه الأشكال، والغرض من ذلك كان تبرير الاستعمار من حيث أنه هو الذي سيحرر النساء من عسف المجتمع الجزائري. وقد وضع الباحث الجزائري مالك علّولة ذلك في كتاب أطلق عليه عنوان “حريم الاستعمار”.
كما أن الدراسات الاستشراقية ركزت على أن “الدولة الإسلامية” تبني المكان على أسس جندرية: فثمة أمكنة للرجال وأخرى للنساء، وأظهرت جانباً من بناء المدن في الشرق الأوسط الذي هو عبارة عن شوارع ضيقة مسدودة في نهاياتها لتمنع الغريب من دخولها، وتمنع حتى ابن الحي ذاته من رؤية النساء داخلها. كما أن المشربيات (في البيوت الدمشقية كمثال) تمنع مَن هم خارج البيوت من رؤية النساء داخلها. إن الطراز المعماري العثماني الذي قسم البيوت إلى قسمين: حرملك (للنساء) وسلملك (للرجال) كان نموذجاً فظاً لبناء المكان على أساس جنساني. وتم اعتبار هذا الطراز إسلامياً يعكس ويؤسس للثقافة السائدة في المجتمعات الإسلامية، وقد أطلق على المدينة المقسمة جندرياً تعبير: “المدينة الإسلامية”.
الدراسات الاجتماعية تنسب للباحثة جانيت أبو لغد أنها من الذين جعلوا هذا التعبير يختفي، عبر إظهار الجانب الاستشراقي في تلك النظرة. اعتبرت أبو لغد أن النموذج المتبع لـ “المدينة الإسلامية” مستقى من دراسات فرنسية قليلة عن بعض المدن الاستعمارية، وقد توالدت الدراسات التي تستشهد ببعضها حول ذلك. فهذا النموذج يوحي بوجود سمات جوهرية وثابتة وحتمية للإسلام وقدرته على تشكيل بيئات حضرية، ويكشف عن منظور استشراقي ينظر للمدينة من حيث اختلافها عن/ وموقعها من المدن الأوروبية. وتتساءل: “لماذا يتوقع المرء أن تكون المدن الإسلامية متشابهة؟ وعلى أي نحو يكون التشابه؟” وبذلك تكشّف أن ما يقال عن وجود “مدينة إسلامية” متشابهة في مختلف الأرجاء الجغرافية هو مجرد زعم ينفيه الاختلاف بين طرز معمارية في بقاع جغرافية مختلفة ومتباعدة وذات ديانة إسلامية: كشمال إفريقيا وجنوب غرب آسيا وجنوب شرقها... إضافة إلى ذلك إن تقسيم المجتمع والمكان جندرياً يتنافى مع التطور الهائل للمجتمعات والجغرافيا على مر الزمن وينفي الأثر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في إنشاء الأماكن وبنائها حسب ظروف متقلبة ومتغيرة وتاريخية. أيضاً يمكن القول إن سمات عزل النساء عن الرجال مكانياً هي سمات المجتمعات الحضرية وليست سمات محصورة بالإسلام. نجم عن هذه المداخلات المهمة التوقف عن استخدام مفهوم “المدينة الإسلامية”. وراح الباحثون  الذين يودون الدخول في شؤون المدينة ذات الديانة الإسلامية  يستخدمون تعابير من مثل “المدينة في العالم الإسلامي”، لكنها -تلك المجادلات- لم تنف السؤال وضرورته عن تقسيم المكان على أساس النوع، ولم تنف تدخل الإسلام، في المكان والجغرافيا اللذين يدينان به، في هذا التقسيم الذي يراد منه العزل بين الجنسين.
التفكير بالمكان بوصفه المجال الذي ينتج المعنى والهوية والسلوك، ويحدد علاقات القوة في المجتمع، ودور المرأة ونشاطها وموقعها في الهيكل الاجتماعي العام أدى إلى بزوغ فرع خاص في علم الجغرافيا هو الجغرافيا النسوية.
فكما أن الاهتمام بالمكان نتج عن الثورة الكبيرة التي حدثت لعلم الجغرافيا في ستينيات القرن العشرين، فإن الجغرافية النسوية نتجت عن هذا الاهتمام بالمكان.

يبحث هذا الاتجاه في التمييز الذي ينتجه بناء المكان على أساس النوع، والذي يعرّف ويعيد تعريف النوع انطلاقاً من المكان، وما ينتجه ذلك من ثقافة مجتمعية تحدد النوع والعلاقات بين الجنسين، كما تحدد موقع المرأة انطلاقاً من المكان، إن كان المكان المخصص للمرأة وذلك المخصص للرجل، أو الحيز الذي تشغله المرأة وذلك الذي يشغله الرجل. يعرّفها بعضهم على أنها: “دراسة العلاقات المتبادلة بين المجموعات النوعية التي تتشكل بفعل القوى الاجتماعية، والبيئات التي تتشكل بفعل تلك القوى أيضاً”.

أضافت الجغرافيا النسوية إلى دراسات الجندر والتمييز القائم على النوع في العالم كله، جانباً مهماً وهو الأثر الجغرافي على علاقات القوة من جهة، وعلاقات القوة في صناعة الجغرافيا/ المكان من جهة أخرى. أي أن البطرياركية لم تكتف بالتمييز على أساس الجندر فحسب، بل صنعت لهذا التمييز شروطاً تكرّسها لتبدو كما لو أنها وضع طبيعي. فالذكورة سيطرت على الطبيعة، وعبر ذلك سيطرت على المرأة، واشتغلت على الطبيعة وغيّرت فيها بما يكرس وضع المرأة الأدنى ضمن ما يسمى „لاند سكيب“ (landscape). ”اللاند سكيب” هو الفضاء العام الطبيعي، ويتم التدخل بهذا الفضاء لتغييره عبر إنشاء الحدائق ونباتات الزينة وما إلى ذلك. إذاً، يمكن اعتباره: تغيير الفضاء الطبيعي العام. استغلت البطرياركية “اللاند سكيب”، بوصفها هي المهيمنة على الجغرافيا والدراسات الجغرافية، لتغيير المكان بما يتناسب مع مقاصدها في السيطرة عبر خلق علاقات يحددها المكان بالضرورة، وهذه العلاقات هي علاقات قوة. الجغرافيا النسوية تعتبر أن الجغرافيين كانوا ذكوريين في دراستهم هذه للجغرافيا، ولم يولوا الجانب الإنساني أدنى اهتمام فبدا تاريخياً أن الطبيعة ذاتها ثابتة، إلى أن حصلت الثورة الجغرافية وتغير الوضع. قاد هذا إلى وضع أطلس نسوي يدرس عمل المرأة في الزراعة وفي المصنع وفي المنزل وفي الريف والمدينة... إلخ.
ترى إيمي ميلز أن النسويات ربطن المعرفة الجغرافية بالقوة والسلطة، وأوضحن الدور الذي لعبه الذكر الأوروبي الأبيض الاستعماري في تاريخ جمع المعلومات الجغرافية.
إذاً، بهذا تم استخدام الجغرافيا كأداة استعمارية، لذلك ركزت بعض الجغرافيات على إدخال النساء في دراسة إنتاج المعرفة الجغرافية. وهكذا ساهمت الجغرافيات النسويات في تغيير طريقة فهم وممارسة الجغرافيا في جميع تخصصاتها الفرعية.
عبر هذا الكشف عن أثر المكان المبني على أساس النوع تمت دراسة الأنشطة البدنية للفرد في الحيز المخصص له، ما يمكن أن يكون: دراسة الجسد جغرافياً. وبهذا اقتحمت الجغرافيا النسوية مجالاً للدراسة هو: جغرافية الجسد. إن الأنشطة التي يقوم بها الفرد في حياته اليومية، إما تُنتج أو تتحدى، أو تعيد تفسير الحيز الاجتماعي، أو تضفي عليه معنى، تبدأ في الجسد وتتكون من خلاله. فالجسد هو الذي يعرّف الآخرين بالفرد، والفرد يحكي حكاياته الذاتية للآخرين بجسده، وذلك عبر: العلامات أو الإيماءات أو اللغة الأبجدية. وتتشكل الهوية الذاتية في سياق هذه العملية، ويكتسب حكي الفرد، رجلاً كان أم امرأة، معنى عندما يتم تصنيف الحكاية إلى جانب الحكايات الجماعية الكبرى وتصير جزءاً من الهوية الجمعية. ثمة اتفاق -في معرض قراءة ألف ليلة وليلة- أن من يحكي لا يموت! وأنه يجب على الفرد أن يملك حكايته الخاصة. واجهت شهرزاد الموت المحتّم بالحكاية، وهي، وإن كانت تحكي عن/ وعلى الآخرين، إلا أنها كانت تحكي حكايتها الذاتية، فهي تريد تأجيل موتها ما أمكنها ذلك. الحركات البدنية التي يقوم بها الفرد في سياق عرضه حكايته التي تميزه عن الآخرين ذات طابع مكاني، فهي تنتج الحيز الاجتماعي الذي تجري فيه وتشكله. ثمة مجتمع متكامل بنته شهرزاد، هو مجتمع خاص: مجتمع ألف ليلة وليلة. وهذا ما يمكن أن يكون: بناء الهوية في المكان.
أحد أكثر أشكال الحكاية حضوراً في زمننا هو الرواية. إنها حكي الفرد عن ذاته، وفيما يحكي عن ذاته فإنه يحكي عن مجتمعه وعن العالم، وفيما يحكي عن...، فإنه، بطريقة ما، مُحكى! فهو يخضع أيضاً لإملاءات المكان المتشكل، والذي يفرض عليه نشاطاً بدنياً مختلفاً عن آخرين يخضعون لشروط مكانية أخرى.

انطلاقاً مما تقدم أحاول النظر في روايتين: واحدة من الجنوب السوري: „لا ماء يرويها” للروائية نجاة عبد الصمد، والأخرى من الشمال السوري: „مترو حلب” للروائية مها حسن. لكن قبل ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من القراءات لا يتيح، وليس من مهامه، الدخول في الشكل الفني للرواية، والإشارة إلى مواطن قوة أو ضعف فيها.

لا ماء يرويها

تقدم نجاة عبد الصمد لروايتها “لا ماء يرويها” بمقطع لشاعرة برتغالية: “أن تكوني امرأة، هذا ألم/ تتألمين حين تصيرين صبيّة/ وحين تصيرين حبيبة تتألمين/ وحين تصيرين أمّاً.../ ولكن ما لا يطاق على هذه الأرض/ هو أن تكوني امرأة/ لم تعرف هذه الآلام كلها”. وتستهل الرواية، في المقطع الثاني، بمقولة وضعتها تحت عنوان “من مرويات المدينة الشفهية“ على النحو التالي: “للمرأة في حياتها مآتم سبعة:
أولها سواد وجه أهلها يوم ولادتها أنثى
ثم بكاء فرجها دماً يوم طمثها الأول، وفي سائر الأيام التي
يتدفق منها الدم شامتاً
والثالث ليلة دخول عريسها فيها
والرابع موصول من يوم حملها إلى مخاضها، وانفراج معبرها عن
مولودٍ حيّ، وحتى بعد الولادة السالمة، يظل قبر النفساء مفتوحاً
أربعين يوماً...
ومأتم خامس عند فطام كل ولد
والسادس يوم موت زوجها أو يوم طلاقها باستحقاقٍ أو بابتلاء.
والسابع هو العلني، آخر الميتات، يوم إسلامها الروح إلى بارئها”.

وبهذا، فالرواية قول عن المرأة بشكل صريح، ومن حيث السرد فإن امرأة هي التي تسرد حكايتها وحكاية المدينة وشخوصها وتاريخها على مدار الرواية، وبهذا أيضاً، هي رواية المرأة. تجري الرواية في محافظة السويداء/ جنوب سوريا (غالباً، في ريف المدينة).  تبدأ بعد سنتين من طلاق الشخصية الرئيسة في الرواية “حياة” من زوجها، وقيام أهلها بـ (حبسها) في “بيت الكرَش” وهي غرفة في قبو المنزل مخصصة لكراكيب البيت، هي مستودع إذاً. في هذه الفترة كانت “حياة” في الأربعين من عمرها ولديها ولدان لم تستطع إحضارهما للعيش معها حيث إن زوجها وأهله لم يقبلوا بذلك، فهي تطلقت بسبب (الخيانة)! أحبت “حياة” شخصاً ولم تتزوج منه بسبب اعتراض أمه، فزوّجها أبوها من قريبه الذي يكبرها بعشرين عاماً رغماً عنها. كانت علاقتها بزوجها إرغامية، قسرية وتنطوي على عسف كبير. كان أبوها قاسياً مع أفراد الأسرة، خاصة مع أمها، ويفضّل مع الأم أخاها الذكر عنها وعن شقيقاتها البنات.
تروي “حياة” أيضاً قصة البحث المرير عن حفارات لاستخراج الماء من أراضي السويداء التي تفتقد لنهر: ”ليس في السويداء ولا قراها نهرٌ دائم الجريان... وليس فيها ينابيع”، وكيف أن البحث نجح في استقدام حفارات من الشمال السوري.
عطش الأرض، على نحو ما، انتقل إلى الإنسان في هذه البقعة الصلبة من الأرض السورية، ما يعطي سبباً لعنوان الكتاب: „لا ماء يرويها”.
انطلاقاً من هذه الجغرافيا المكانية والاجتماعية، وانطلاقاً من “بيت الكرَش” الذي يحتوي على: „تنكات الزيت وعناقيد البامية وجديلة الثوم وكيس البصل، غسالة بمحرك معطّل لم يُبع حتى بقروش”، وقد عاشت “حياة” بين هذه الكراكيب، ومعها جنباً إلى جنب، انطلاقاً من هذا الحيز الذي وضعوها فيه، قدمت “حياة” رواية ثأرية، انتقامية، متحاملة وفاضحة في الوقت ذاته. نظرت إلى الناس ليس انطلاقاً من ظروفهم وأسبابهم، بل انطلاقاً من ظروفها هي وأسبابها هي، لم تفكك البنى بل الأشخاص، وذلك ضمن عملية نفسية معقدة لامرأة كانت تفقد حياتها بشكل مضطرد وبلا انقطاع منذ بداية تشكل وعيها حتى انتهائها مرمية في بيت الكراكيب.  
شخصيات الرواية كافة، إلا استثناءات نادرة لشخصيات ضائعة وليس لها وجود مؤثر، كريهة، عدوانية، تنطوي على نوع من الشراسة الذي لا تنضب. انتقل الوحش المكاني الذي التهم “حياة” إلى روحها وثقافتها وجعلها كائناً (كارهاً؟) لم تستطع أن تحب حتى أمها المغلوب على أمرها، ففي سياق التحدث عن جمال الشكل والخلقة، وردت عبارة: “ورثنا القبح عن أمنا”! أن تقال هكذا عبارة عن الأم، دون إيضاح أسباب خاصة تجعل من عدم محبة الأم أمراً يمكن قبوله، فذلك يعني: جفاف روحي وعاطفي وثقافي، يعني: كراهية. حتى الشخص الذي أحبته طيلة الرواية “ناصر” ظهر كشخص ضعيف لا حول له ولا قوة أمام أمه، الأمر الذي لا يجعل القارئ متعاطفاً معه على أي حال. على الرغم من أنه غادر إلى لبنان وعمل في منظمة التحرير الفلسطينية “فتح”، وحاز، لشجاعته، لقب “سبع الجبل”، وهاجر مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، فبوخاريست، وانتهى به المطاف في ألمانيا، لكن، مع ذلك، لم يستطع أن يقنع أمه ولو بكلمة أنه يريد الزواج من حياة، لم يحاول أصلاً. بدا سلبياً على نحو غير منسجم مع نضاله في منظمة التحرير.
في المرة الوحيدة التي ظهر فيها ابنها في الرواية، الشاب الصغير، في مقتبل العمر، ظهر كشخص متواطئ مع والده في كشف (الخيانة) التي ارتكبتها أمه. الابن يتآمر مع والده ضد أمه ويشارك في صنع مصيرها في “بيت الكرَش”.
في الرواية ظهر المكان صلفاً، وهذا أمر جغرافي من جهة، وخاضع لما يسمى: „اللاند سكيب” من جهة أخرى. فتم تحويل الحيز المكاني للكراكيب إلى حيز اجتماعي للإنسان الذي تحول إلى مجرد “كراكيب” هو الآخر أيضاً. ثمة ما يمكن أن يكون “لاند سكيب” ثقافي أيضاً. فعندما يتم النظر إلى ما هو خارج الكتاب كما ينبغي: أي النظر إلى المجتمع الذي رصده الكتاب، لنقرأ مجتمعاً غير قابل للإصلاح والتعديل والتغيير، لنقرأ المجتمع من الموقع المضاد له، فذلك يعني أن “لاندسكيب” ثقافي جرى العمل به أيضاً، فيقف الكاتب هنا في موقع علوي ينظر إلى مجتمعه من حيث هو مجموعة كراكيب أيضاً، وفي حال العلاقة مع الكراكيب فالخطوة الأولى المقترحة هي: التخلص منها.
عبر عدة أسطر من الرواية تتحدث “حياة” عن علاقة إحدى صديقاتها التي تقطن في الحي ذاته إنما “في منطقة أعلى” من منطقة “حياة”، بأمها وتصفها بأنها هادئة، منسابة... في إشارة كما يبدو أن الطريق المعبد بالإسفلت أمام بيت هذه الصديقة كان له أثر في ترقيق العلاقة وانسيابيتها، يؤكد ذلك أن والد “حياة” قال إنه سيطلب تعبيد الطريق الواصل إلى بيته، وذلك كي يمنع الحجة التي يتمسك بها ابنه/ الطالب الجامعي في عدم زيارته أسرته من دمشق إلى السويداء. ثمة إشارة قوية إلى أثر المكان إذاً في صوغ العلاقات والروح.
في الدراسات التي تتناول الجغرافيا، بما فيها الجغرافيا النسوية، أعتقد أن موقع “اللاند سكيب” سيكون مجدياً إذا كان في المركز منها، من حيث أثر السلطة/ القوة في تحويل المكان على النحو الذي يجعل من السيطرة عليه وعلى من يشغله ممكنة بكثرة ومؤبدة.

مترو حلب

ثمة مكانان قويان في حضورهما وتأثيرهما يتبادلان (السيطرة) على “سارة” في رواية مها حسن “مترو حلب”: حلب وباريس. حلب من حيث كونها مدينة “سارة” التي ولدت فيها وعاشت ودرست وعملت، مع ما يعنيه ذلك من امتزاج جسدي بين المدينة و“سارة“. وباريس من حيث كونها مدينة اللجوء التي انتقلت إليها “سارة” بعد الثورة السورية وإبان الحرب التي تدور هناك على خلفية الثورة.
في عمر الثلاثين تنتقل سارة إلى باريس بدعوة من خالتها “أمينة” التي لا تعرف عنها شيئاً، والمقيمة هناك منذ ثلاثين عاماً. هناك، لم يشجعها أحد على العودة إلى سوريا بسبب الكوارث الحالّة في سوريا وفي حلب خاصة، لذلك تتقدم بطلب لجوء وتبقى. وهناك أيضاً تعرف أن خالتها “أمينة” هي أمها البيولوجية التي تركتها رضيعة وغادرت مع شخص تحبه إلى فرنسا لتكون فنانة مسرحية مشهورة وذات حضور قوي، بينما أمها في حلب “هدهد” هي خالتها التي ضحّت بحبيبها وبكل شيء كي تتزوج من زوج “أمينة” وتربي الطفلة سارة. جرى ذلك ضمن عملية معقدة من السفر إلى فرنسا وتعرفها على هذه الحقيقة الصادمة.
في فرنسا/ باريس تتعرف إلى المكان من حيث إنه هو حلب بأسماء أجنبية، تتخيل أنها في حلب على طول الرواية، الأماكن ومواقف القطارات تبادلها بأسماء مواقف وأماكن في حلب. ثمة علاقة جسدية لا تتبدل مع تفاصيل حياتها في حلب.
عبر شرائط تسجيل تركتها “أمينة” تتعرف “سارة” على كل شيء، وتعرف كل شيء. تعرف أن “أمينة” تعرفت في مرحلة لاحقة من حياتها، على شاب فرنسي (ماتيو) تخلت عنه أمه في طفولته وغادرت المنزل ليربيه والده على كراهية أمه. وعندما يقرأ في الصحافة أن أمينة فعلت الشيء نفسه، يحاول الانتقام من أمه عبر انتقامه من “أمينة”. فيأخذها إلى مكان ما في شقته، ويقيدها، ويمارس عليها شتى أنواع التعذيب، حتى تتمكن من الفرار بطريقة أقرب إلى ما نشاهده في الأفلام.
أمينة فرنسية مهاجرة (من أصل سوري) وماتيو فرنسي (أصيل)، وحين يريد الانتقام من أمه ينتقم من مهاجرة، وكي تكتمل مأساة الهجرة السورية يكون انتقامه من مهاجرة سورية الأصل! لا يوجد في الرواية أية إشارة إلى عنصرية من نوع ما، لكن قلق اللاجئ والمهاجر يظهر دائماً على نحو ما، قد يكون ظهوراً غامضاً، لكنه يظهر. يمكن اعتبار هذه الجريمة التي ارتكبها فرنسي بحق مهاجرة أحد أشكال ظهور هذا القلق. ثمة “لاند سكيب” كولونيالي أيضاً يحدد العلاقات بين المهاجر و(الأصيل) بوصفها، أيضاً، علاقات قوة.  

جنوب / شمال

في الروايتين بدا أن المكان، بنسبة كبيرة، هو الذي يروي، وهو الذي يحدد مسارات شخوصه وعلاقاتهم ومصائرهم. روايتان: واحدة من الجنوب السوري (لا ماء يرويها) وأخرى من الشمال السوري “مترو حلب” تقدمان جغرافيا قاسية، مهدِّدة، بدا فيها الإنسان منقاداً لمصيره دون أن يكون لديه الوقت لمجرد التفكير باختياره، أو التحكم فيه على الأقل. تنتهي رواية عبد الصمد في “بيت الكرَش” دون أي أفق لتغيير الوضع. وتنتهي رواية حسن بعودتها تهريباً إلى بلدها، إلى حلب وقد ماتت “هدهد”/ الأم غير البيولوجية، إثر سقوط قذيفة على العيادة التي كانت تنتظر فيها الطبيب الذي أحبته ذات يوم، ثم تركته كي تنقذ العائلة من فضيحة هروب أختها المفاجئ وتركها طفلتها في مهب الريح.
إذاً، هي جغرافيا ممتدة في طول البلاد وعرضها، تأسست ضمن إطار “لاند سكيب” استبدادي هذه المرة، حيث أخضعها دكتاتور متوحش لمدة نصف قرن وغيّر فيها وصنعها على نحو يجعل من استمرار سلطته وتسلطه أمراً متحققاً، ففي الجنوب يخاف “الناس حتى من تمثال رئيس البلاد (حافظ الأسد) الذي يرفع يده في الفضاء، يداً تتوعد أكثر مما تعد”، كما تروي “حياة” في رواية نجاة عبد الصمد. وفي الشمال (كما في باقي أجزاء الجغرافيا السورية) غيّر الدكتاتور معالم المدينة ودمر أبنيتها وقتل ناسها وشتت مصائرهم وجعلها غامضة على نحو يثير قلق التاريخ وبناه المتعاقبة. حيث إن “سارة” تعود إلى بلدها تهريباً، أي وفق ما يسمى في وثائق اللجوء والهجرة “مهاجرة غير شرعية” وهي بنت البلد!. 
خارج غلافي الكتاب

بحثت في الروايتين عمّا هو خارجهما/ خارج الكتابين، عن المجتمع الذي يقدمانه ويحكيان عنه، وهذا ما أعتبره الإمكانية الأكثر جدوى للدراسة، إذ لم يعد ثمة جدوى من البقاء داخل غلافي الكتاب والنظر إلى النص بوصفه نصاً فقط، بل يتوجب اكتشاف الأنساق المتخفية بين ثنايا النص، وهذا يستوجب البحث فيما قبل النص وما بعده والحيثيات المرافقة وغير ذلك مما أهملته الدراسات الحديثة غالباً، وحكمت على النص انطلاقاً من أنه مجرد، أو فقط، بنية لغوية. اكتشاف تلك الأنساق لا يدين بالضرورة الكاتب، بل يحفّز لدراسة البنى السياسية والثقافية والاجتماعية واللغوية المكرسة والتي تتسلل إلى النص عبر العديد من المسارب المفتوحة، والتي فتحتها الثقافة الحديثة، إجبارياً، إنما بنعومة، في وعي الكاتب ولاوعيه أيضاً.