قبل مدة وجيزة كتب صديق على جدار صفحته في الفضاء الأزرق أنّ "الروائي والقاص الجيد عندما يصنع شخصيات متميزة وفعالة ومؤثرة، فإنه يلعب دورًا شفائيًا مباشرًا لعلل المجتمع وأمراض الناس الجسدية والنفسية".

قول أعجبني وأثار لديّ تساؤلًا هو: وماذا إذا كان الروائي والقاص طبيبًا؟
عادت بي الذاكرة إلى سير أطباء سورية من الكتّاب؛ مثل وجيه البارودي (1906-1996) الذي عُرف بشعره، وعبد السلام العجيلي (1918-2006) الذي عُرف بأدبه. وفي مصر عرفنا من الشعراء والكتّاب الأطباء يوسف إدريس، وإبراهيم ناجي، ومحمد المخزنجي، ومحمد المنسي قنديل، وشريف حتاتة، ونوال السعداوي.. وغيرهم من الروائيين والروائيات العرب الذين تواصلنا معهم، في زمن جائحة كورونا (كوفيد – 19)، سائلين إياهم في البدء عن تلك اللحظة التي قرروا فيها أن يكونوا روائيين، وما هي نقطة التحوّل التي أسّست فعلًا لبدء مسيرتهم الأدبية؟ وإلى أيّ مدى ساعدهم عملهم كأطباء في مجال الكتابة؟ وهل كان لهذه المهنة الإنسانية النبيلة أثر خاصّ على كتابتهم الإبداعية؟ وكيف تمكنوا من توظيف مجالهم المهني العلمي في خدمة مشروعهم الأدبي؟ وإلى أيّ مدى شعروا - بعد سنوات من الكتابة - بانسجام بين حياتهم المهنية ونتاجهم الروائي الإبداعي؟ من ثمّ، هل هجر أحد منهم عالم الطب وتفرغ للأدب؟ وهل فعلًا يرون ما يراه عدد كبير من المبدعين الأطباء من أنّ مجالي الطب والأدب شديدا الشبه، وبينهما علاقة وثيقة جدًا، وأنه لا وجه للتعارض بينهما، مستشهدين بقول شاعر الأطلال الطبيب إبراهيم ناجي، في قصيدته «يا صفوة الأحباب والخلانِ»: (الناس تسأل والهواجس جمةٌ/ طبٌ وشعرٌ كيف يتفقانِ/ الشعرُ مرحمة النفوس وسره/ هبةُ السماء ومنحة الديانِ/ والطبُ مرحمةُ الجسوم ونبعه/ من ذلك الفيض العلي الشان/ ومن الغمام ومن معين خلفه/ يجدان إلهامًا ويستقيان).
أخيرًا، ونحن نعيش زمن جائحة كورونا، سألناهم: هل ألهمكم ما نجم عن هذه الجائحة من أحداث مؤسفة تعيشون تفاصيلها أكثر من عامّة الناس موضوع قصة ما أو رواية؟ فكان هذا التحقيق.

نجاة عبد الصمد (سورية/ ألمانيا):
حين يكون الطبيب كاتبًا ألمه مضاعفٌ ألف مرة

سأعجز عن الإجابات القاطعة في كل ما سأجيب، فلا أظن أنّ الكتابة خيارٌ أو قرار، لعلّه استسلامٌ لدويٍّ يطرق رأسي منذ وعيت، لم يقدر على انتزاعه لا الاشتغال في طب التوليد على مدار اليوم، ولا العبء الفكري والجسديّ والعاطفيّ أثناء وبعد كل جراحةٍ نسائيةٍ أجريها هي الأخرى بشغفٍ يتجدّد، لا أخرج منه إلّا بالقراءة التي أدمنتها منذ بدأت تهجئة الحروف في لغتنا العربية الآسرة الجمال.
يتنازع الشغفان فيما بينهما ويتفقان عليّ. عقلي ينتصر للطبيبة فيّ، ويسرقني هواي إلى الأدب لأحيا أبدًا في عالمين: أولهما المعاش وثانيهما الموازي، المسافر أبدًا من رأسي إلى الدنيا بكل قلق الروائيين ونزق طباعهم وفجاجة أسئلتهم وحشريتها، واقترافهم لسرقة الحكايات من أصحابها دون ندمٍ ولا حتى خجل ثم إعادة تكوينها شخوصًا من خلق الأديب، شخوصًا جديدةً متخيلة سرعان ما تصبح علاقة كاتبها بها أقوى من علاقاته الحياتية..
حين اكتمل استسلامي بدأت رحلة الكتابة، متأخرةً جاءت، وجاءت كاسحة..
لا أنكر أنّ أحد حظوظي الرائعة في الحياة أنني طبيبة. فعلى عكس ما يعتقد كثيرون أنّ الطبيب محايدٌ تجاه الألم لكثرة ما يعايشه مع مرضاه؛ يبكي الطبيب كلما رأى حياةً تسيل من جرحٍ غزير النزف إلى غير عودة، وحين يكون الطبيب كاتبًا فألمه مضاعفٌ ألف مرة، يبكي من جوّاه الذي لا يراه أحد لأنه تعلّم كيف يخفي بكاءه وكيف يتفهم الألم بعقله لا بقلبه، وبالسرعة الممكنة يتجاوزه إلى العلاج.
عيادتي نهرٌ من حكايات النساء، الطبيبة مني تعالج الداء، والكاتبة فيّ تنتشل الحكايات من الاندثار وتسلمها لعدالة الزمن.
وكم يتشابه التوليد والأدب؛ كلاهما مهنة أنانية وكلاهما فنّ، رسالةٌ عالية المسؤولية ولا تقبل الأداء الركيك.. والطبيب الناجح لا يهجر مهنته مختارًا، ويظل تلميذًا في مدرستها مهما امتدّ به العمر، والظرف القاهر وحده قد يقصيه عنها، وكذلك الأديب يتمرّن طوال عمره بالقراءة والكتابة، كالرياضي كلما زاد تمرينه زادت رشاقته.
ومهنة الطب ربّتني وصقلتني وعلّمتني الانتباه إلى منمنمات الحياة، ومنها إلى التركيز على الإمساك بخيوط الحبكة الروائية.
وإن كان الانشغال بفنّ التوليد أخّر مواعيد الكتابة، لكن امتناني له لا ينقص ولا يخفت، فهو الذي أهداني دهشة الخلق، كلّ صرخةٍ أولى لوليدٍ تنتشله يداي من ظلمة الرحم إلى عالمنا الأرضي تعيد تشكيل روحي وتأخذها إلى أسر الكتابة.