إعداد ايكاترينا كليموشكينا

صوفيا مايدا اليابانية التي تعيش في روسيا..
رصد موقع Lenta.ru حكاية صوفيا مايدا، المطربة وكاتبة الأغاني التي أوصلتها مفارق الحياة إلى العيش في روسيا، ولم تنسَ جذورها العائلية ولا مطلع حياتها في اليابان، الأرض التي تشرق منها الشمس، وكم تختلف الحياة فيها عن روسيا..
تتابع مايدا:
عن النمط الياباني..
الصورة النمطية في الأذهان عن الأطفال والمراهقين اليابانيين أنهم مولعون بالألوان الفاقعة: يصبغون شعرهم ويلبسون الثياب الزاهية والغريبة، لكنهم ليسوا كذلك، فبموجب ميثاق المؤسسات التعليمية لا يسمح لهم الحضور إلى المدرسة سوى بالزيّ الرسميّ دون أية زيناتٍ، ولا حتى أقراط الأذنين.
لكنهم بعد انتهاء المدرسة يلبسون ما يحلو لهم ويميزهم عن الآخرين، ولا سيما الفتيات اليابانيات المغرمات عموماً بالأزياء. في طوكيو هناك متجر الأزياء اليابانية للناشئين: Shibuya 109 حيث يقضي المراهقون كثيرا من الوقت بين طوابقه الثلاثة
يحب الشباب الياباني البيرسينغ قرب الحلمة أو السرة، بينما لا يُنظر باستحسانٍ إلى وشوم الجلد بين أوساط البالغين عموماً والمحافظين خصوصاً فلا يسمح للموشومين مثلاً بالدخول إلى (أونسين)، أي الحمام التقليدي الياباني أو إلى الحدائق المائية.
الطبابة..
أتذكر في طفولتي حين أسعفوني مرةً إلى المستشفى الحكوميّ أعطوني الأدوية على شكل مساحيق لأن تناولها أسهل، واليوم تحولوا إلى إعطاء الحبوب. على العموم نادراً ما يذهب اليابانيون إلى الطبيب بل يعالجون أنفسهم بأنفسهم، أو ينتظرون أن تشفى أمراضهم تلقائياً بدلاً من أن يصف لهم الأطباء فوراً المضادات الحيوية أو المضادات الفيروسية.
أخبرني أبي مؤخراً أنهم اخترعوا في اليابان دواءً يطرد الانفلونزا على الفور، لكنني لم أجربه بعد. وفيما عدا الحالات الجراحية، ففي اليابان لا يتواصل الطبيب عملياً مع مريضه حيث كل التعليمات مبرمجة على الكمبيوتر، الأمر الذي لا يبدو عادياً بالنسبة إلى الروس، ومع ذلك فمتوسط العمر المتوقع لليابانيين واحدٌ من أعلى المعدلات عالمياً وهذا مؤشرٌ بالغ الأهمية.
الإسكان..
السكن والإيجار في اليابان مكلفٌ جداً، حتى رجال الأعمال الموسرون والذين لم يكونوا عائلةً بعد لا يسمحون لأنفسهم سوى باستئجار شقةٍ من غرفة واحدة. تقاس مساحة السكن بعدد الحصائر التي تفرش الأرضية كاملةً، ومساحة كل حصيرةٍ 90 × 180. ثم هناك البيت التقليدي اليابانيّ (الفوتون) حيث ينام المرء على فراشٍ يركنه في الخزانة بعد أن يفيق. لكن هناك أيضاً شقق من خمسة أو ستة غرف وهناك بيوتٌ كبيرة..
والدي لا يعيش الآن في المدينة، اتجه صوب البحر والجبال حيث يمكنه امتلاك منزلٍ صغيرٍ من طابقين: يضم الأول منهما غرفة استقبال صغيرة (فيها طاولة وكرسيان وبساط كهربائي للمشي) وكوريدور طويل وحمام مستقل، وفي الطابق الثاني ثلاث غرف نومٍ صغيرة لا تتسع إحداها سوى لسريرٍ وخزانة.
لكن ما يعجبني في المساكن اليابانية هو الدقة في اختيار أقل الأشياء وأكثرها أهمية، فلا يحتوي المسكن أي غرضٍ لا لزوم له، وكل شيء نظيفٌ ومرتب ويقبع في مكانه تماماً حتى في المساكن الصغيرة جداً.  
وسائل التدفئة في اليابان سيئة للغاية. قد تبلغ الحرارة في الصيف 40 درجة مئوية، بينما الشتاء ليس بارداً جداً حتى نضطر إلى تشغيل التدفئة، بينما تمر أيامٌ باردةٌ جدا في الربيع والخريف. مرة وحين كان أبي يسكن في طوكيو لم نجرؤ على خلع السترة عن أجسادنا داخل المنزل من شدة البرد، وكان الحل الوحيد هو تشغيل المكيف على وضع التدفئة. والآن وقد انتقل أبي إلى شمال اليابان الذي لا يقل شتاؤه برداً عن طقس روسيا وليس في المنطقة نظام تدفئة، اضطر لشراء سخانة كهربائية، بينما هذا النظام موجود في هوكايدو في أقصى شمال اليابان.
الحيوانات الأليفة...
شبه مستحيلٍ أن تجد منزلاً للإيجار في اليابان إذا كنت تربّي حيواناً أليفاً، وحتى لو وجدت فسوف تضطر لاستخدام مصعد الخدمات لا مصعد السكان لأن جيرانك قد يعانون من الحساسية من أوبار الحيوانات وهم دقيقون جداً في هكذا مسائل..
لكن اليابانيين عموماً يحبون الحيوانات الأليفة ويعتنون بها جيدا إذا اقتنوها، يأخذونها إلى الصالونات الخاصة للعناية بأقدامها وتقليم أظافرها وحلاقة شعرها. وبسبب ضيق مساكنهم فغالباً ما يقتنون الكلاب الصغيرة: الألمانية، أكيتا نيو..
ليس ضيق السكن هو السبب الوحيد الذي يعيق تربية حيوانٍ أليف، ثمنه أيضاً يكلف الكثير، وحين تقتني أحدها فعليك دفع ضريبة على امتلاكه. إنما لمن يرغب باللعب مع القطط مثلاً ولا يستطيع تربيتها في مسكنه يوجد مقهى اسمه kotokafe حيث يشرب قهوته برفقتها اللطيفة.


الدين..
الدين في اليابان طقسٌ أو تقليدٌ أكثر مما هو فريضة. لا أحد يفرض معتقده على أحد وكلٌّ يبجّل إلهه الذي به يؤمن. أكثر الأعياد الدينية وقاراً هو عيد Obon الذي يستمر ثلاثة أيامٍ يعتقد أن أرواح الموتى تعود خلالها لتطمئن على أقاربها الأحياء، وحتى لا تضيع هذه الأرواح طريقها إلى منازلها القديمة يعلق اليابانيون لها الفوانيس كي تهتدي بنورها إليهم.
في المعابد يقرأ اليابانيون الكتب المقدسة، وفي المنزل يعرضون المقتنيات التي يأتون بها من مذبح بوتسودان وهو مذبح يشبه خزانة بأبواب وفيها معروضات تذكارية وشموع وأجراس وأطقم مائدة بوذية وأطقم شاي، هناك أيضاً يحفظون بعضاً من رماد أقاربهم الموتى. جرار الرماد نفسها محفوظةُ في مقبرة عشيرة مايدا. عشيرتي مايدا تنحدر من عشيرة سوغافارا التي تعود أصولها إلى القرن التاسع الميلادي وهي من أقوى عائلات الساموراي في اليابان ويأتي ترتيبها الثانية بعد عشيرة توكوغافا في إنتاج الأرز واتساع الملكيات.  
كل صباح، تركن الجدات عند المذبح وعاءً خاصاً صغيرا فيه القليل من الأرز، وفي أيام الأعياد تضع هناك الزهور والحلويات. وحين ينتهي العيد يطلق الجميع شموعاً وفوانيس ورقيةً على ضفاف الأنهار والبحار لتدلّ الأرواح على الطريق الآمن إلى مملكة الموتى.
صدمة ثقافية..
حين أقارن سلوك الناس بين اليابان وروسيا يفاجئني أمران: أولهما تهذيب اليابانيين الشديد، يحترمون بعضهم بعضاً ولا يرفعون أصواتهم في الحديث، وفي السوق يتعامل البائع مع الزبون بابتسامةٍ وودّ، وقد يساعده في حمل مشترياته حتى باب المحل، بينما في روسيا صادفتُ مواقف كثيرة لا يحترم فيها البائع زبائنه، فمثلاً إذا أردتَ شراء علكةٍ وليس معك سوى ورقةٍ نقدية كبيرة سوف يبدأ البائع مساومتك لتبحث عن فكّةٍ تنقدها إياه. 
وثانيهما أمور النظافة: في اليابان يتعلم الجميع منذ الطفولة كيفية فرز القمامة لتستلمها مؤسسة الخدمات في أيامٍ محددة، الزجاج مثلاً يوم الإثنين، نفايات الطعام: يوم الأربعاء.. ويلتزم اليابانيون تماماً بمواعيدها. كذلك وسائل النقل العامة ودورات المياه نظيفةٌ دوماً. لسوء الحظ ما تزال روسيا بعيدةً عن هذا..