طبيبة وكاتبة سوريّة. فازت بجائزة كتارا عن دورتها الرابعة العام 2018 عن فئة الرواية المنشورة.
القسم الأوّل: في الرواية العربيّة.
أعتقد أنّ الطريق باتت سالكة اليوم أمام منتج ثقافيّ عربيّ أثبت حضوره في المشهد الثقافيّ العالميّ. من قبل كان ثمة مدنٌ أو حواضر أدبية، والآن تلمع أيضاً ظاهرة أسماء أو أشخاص بعينهم خارج الحواضر الأدبية
غاية الرواية إثارة المتعة بالإضافة إلى تقديم المعرفة.
ليس مهمًّا ما تكتب بقدر ما هو مهمّ كيف تكتب، يجب أن تملك الرواية الصنعة والرشاقة. يجب أن تكون الرواية موضوعة في قالب سرديّ رشيق، أمّا القالب الركيك فيُفقد الفكرة متعتها.
زاد الإنتاج الروائيّ في سورية على صعيد الكم وليس على صعيد النوعيّة، هناك أسماء كثيرة ظهرت وبات أيّ أحد يشعر أنّه يمكن أن يكتب رواية وينشرها بخاصّة أنّ دور النشر تقدّم تسهيلات كثيرة. أمّا على صعيد الرواية السوريّة تاريخيًّا فهي كانت متوهّجة منذ حنّا مينة الذي شقّ طريقه في الرواية العربيّة ومن بعده هناك حيدر حيدر وغادة السمان وهاني الراهب وبعض الأسماء الأخرى، في الوقت الحاضر هناك أسماء كثيرة جدًّا إنّما لم تُفرز بعد وذلك بسبب اضطراب المناخ السياسيّ والاجتماعيّ.
بشكل عامّ في ظلّ الحروب والكوارث تذهب كلّ مناحي الحياة في انحدار ما عدا الفنّ والأدب، وهذا الأمر ينطبق على الواقع السوريّ. هناك كم هائل من الروايات والروائيّين ومنهم الممتاز إنّما لم يأت بعد وقت الفرز ليأخذ كلّ عمل حقّه.
لم يُعنَ أدب الحرب في سورية بالنتائج بعد، هو يُعنى بإحساس الإنسان السوريّ ورغبته في العيش بكرامة، رغبة لم تتراجع ولم تخفت على الرغم من المأساة وفظاعتها. عُنيت الرواية السوريّة بنقل الواقع السوريّ بهمّه الإنسانيّ، فعندما نقرأ رواية نفهم ما يعتمل في دواخل الإنسان نفسه والجيل الشاب هو الممعن في طريق التجريب.
الرقابة في سورية أقسى من كلّ ما يمكن أن يوصف لدرجة أنّه بات عدد السوريّين المبدعين المتواجدين داخل البلد قليلاً جدًّا.
هناك رواية الداخل ورواية الخارج إنّما صاحب الموقف سيكتب كلمته أينما كان.
قد تزيد العلاقات الشخصية من شهرة الكاتب وترفعه أعلى مما يستحق. نعم يحدث هذا إلى حد ما ومؤقتاً. إنّما عندما يأتي غربال التاريخ هناك أدب لن يستطيع أن يتجاوز زمنه. يجب أن تملك الرواية داخلها عناصر تحييها وتجعلها موجودة خارج زمنها.
إذا استثينا النقّاد الموجودين في المغرب العربيّ، نجد حركة النقد قاصرة جدًّا عندنا. حركة النقد المغاربيّ تغطّي الإنتاج المغربيّ والمشرقيّ كليهما ولذلك سببه التاريخيّ، فتاريخيًّا كانت الأندلس من أكثر المناطق العربيّة التي درست ونقدت وشرحت، كان يصلها إنتاج الشرق فتعالجه وتدرسه وتؤلّف ما يشبهه وما يتجاوزه. ويُحكى دليلاً على ذلك أنّ الصاحب بن عبّاد وهو شاعر ومبدع ووزير معروف في زمنه قال عن كتاب العقد الفريد "هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا" إشارة منه إلى توثيق هذا الكتاب للثقافة المشرقية. إن راقبنا ديناميكيّة التاريخ وجدنا أنّ المغاربة لهم الباع الطويل في النقد، وها هم اليوم يستمرّون في النقد بينما يستمرّ المشرقيّون بالكتابة. لا يمكننا أن نتحدّث عن ازدهار النقد في المغرب من دون العودة إلى التاريخ.
نظريًّا يجب أن يتخلّص النقد من الذاتيّة، يجب أن يملك الناقد مجموعة صفات منها أن يكون سابقًا للكتابة وسائراً خلفها في الوقت نفسه. بما معنا أن يفيد النقد الكاتب ليقترح عليه أفكارًا وموضوعات جديدة إنّما في الوقت أن يخدم النصّ المنجز ويحلّله. جزء من النقد يحلّل وجزء يذهب إلى المستقبل.
كلّ روائيّ يملك أدواته التي يوظّفها لخدمة نصّه وله أن يختار النوع والفنّ الذي يكتب فيه، من الكتّاب من يختار الرواية التاريخيّة ومنهم من يختار غيرها.
القسم الثاني: الجوائز الأدبيّة في العالم العربيّ.
كنتُ أتابع جائزة البوكر العربية منذ انطلاقتها وكنتُ أقرأ دائمًا روايات القائمة القصيرة ثمّ مع ظهور جوائز أخرى كجائزة نجيب محفوظ والشيخ زايد والشارقة وكتارا صرت أتابعها أيضاً.
معظم الأعمال التي قرأتها والتي فازت بالقائمة القصيرة أو بالبوكر كانت جديرة بالقراءة وتستحقّ وصولها إلى المراحل النهائيّة للجوائز، إنّما في المقابل قرأت أيضًا أعمالاً رائعة وعظيمة لم تنل جوائز ولم تصل إلى مراحل متقدّمة. هناك روايات رائعة لم تأخذ فرصتها.
أنا خارج الشلليّة وخارج هذه الشبكات القائمة على العلاقات إنّما ما وصلني من أخبار عن هذه التكتلات لا يُستهان به، فهذا أمر يقلقل نزاهة الجوائز.
فيما يخصّ اللجان هناك أمران يجب التوقّف عندهما، هل اختيار الأعضاء هو قائم على اختيار الأفضل؟ هل هناك أناس أكفأ وأكثر نزاهة لم يُعيّنوا داخل هذه الجوائز؟ ومن ناحية ثانية تجدر الإشارة إلى أنّ أيّ عضو يمكن أن يكون نزيهًا أخلاقيًّا وكفوءًا مهنيًّا وأن يتعرّض مع ذلك لضغوطات.
الجائزة قبل أن تكون قيمة مادّيّة هي أوّلاً تقدير. يمضي الإنسان حياته بحثًا عن التقدير والتقدير هو الجائزة المعنويّة الأولى للكاتب، وهناك أيَصا التعريف بهذا الكاتب وذيوع صيته واشتهاره وبالتالي استقطابه لشريحة أوسع من القرّاء. ويبقى الجانب المادّيّ طبعًا، فالكتابة مهنة كجميع المهن، فلماذا على الكاتب أن يعيش من مهنة أخرى غير الكتابة بينما الكتابة تستنزف وقته بأكمله؟ تستنزف الكتابة الكاتب كلّ يوم ومن الجميل أن تعطي مردودًا طيّبًا. يجب أن تؤمّن الكتابة للكاتب القدرة على العيش بكرامة بحيث تتيح له توزيع وقته وحياته بين القراءة والكتابة والبحث وأن يتكرّس لهذه المهنة.
أصنّف المنافسة الموتورة من سيّئات الجوائز، هناك كتّاب أصبحوا يكتبون لينالوا الجوائز فقط، فيدخلون هذا الطريق من بابه الخطأ.
السلبيّة الأساسيّة للجوائز أنّها تسلّط الضوء على عدد محدود من الروايات وتهمّش أعمالاً تستحقّ التقدير وهي أهل للمكافأة.
كانت الظروف السياسيّة المؤخّرة التي وقعت في سوريّة سيّئة جدًّا على علاقة النقّاد والجوائز بالرواية السوريّة. معظم الجوائز مصدرها الخليج العربيّ، وكلّ مموّل مهما اختلف ومهمن كان فهو يملك حساباته الخاصّة، هو ليس جمعيّة خيريّة. المعايير الأدبيّة تدخل في حساب الجوائز الأدبيّة إنّما هي حاضرة بالتوازي مع الـ agenda الشخصيّة للموّل. هناك طبعًا رغبة في إنصاف الأدب والترويج له إنّما ليس هذا فقط، وهذا ليس سرًّا.
موقف الجوائز من الرواية السوريّة يتعلّق بالسياسة بشكل واضح.
أصبح النشر أصعب على الكاتب السوريّ، فالروائيّ السوريّ وإن لم يقم بأيّة جريمة إنّما مجرّد الكتابة في شأن فكريّ تُقام عليه دعوى على ناشره ما خلق تخوّفًا من النشر لكتّاب وروائيّين سوريّين يتوقّفون عند مواضيع تُعدّ شائكة أو مثيرة للجدل. عندما تصل رواية سوريّة إلى ناشر ويجد فيها هذا الأخير نبرة معارضًا ونهجًا معارضًا واضحًا يبتعد عنها.
ظُلمنا كثيرًا في سورية بهذه الحرب، ولبنان ظلم قبلنا أيضًا. الحروب وبال على شعوبها وكتّابها، وسيناريو الحرب يتشابه في كلّ الأمكنة إنّما من يملك قلبًا وعقلاً يجب أن يفكّر بالمستقبل، وأرى أنّ المبدع السوريّ الحقيقيّ سينال جائزة ما لأعماله في نهاية المطاف كما سينال التقدير الذي يستحقّه مهما كان الموقف السياسيّ منه ومن سورية.
في دار الآداب مثلاّ هناك ملفّ للروائيّين السوريّين خاصّ بهم وملفٌ آخر واحدٌ لباقي الأدباء العرب، ويتم التعامل مع الأعمال السورية بحذر مردّه إلى حسابات سياسية، فدار النشر في نهاية المطاف مؤسّسة ربحيّة ومن قواعد عملها أن تستقطب الجميع.
في أحيان كثيرة لا تفوز رواية سوريّة لأنّها غير مميّزة بشكل واضح وفي أحيان أخرى لا تفوز لأسباب سياسيّة، وهذه متاهة، لذلك لا يمكنني أن أقول إنّه تمّ تهميش الرواية السوريّة بشكل مدروس. قرأت أعمالاً سوريّة لم تنل جوائز وهي بالفعل لم تتخطَّ الأعمال الأخرى ولم تُظلم.
فزتُ بجائزة كتارا وبصدق ليست لديّ معلومات حول معايير الجائزة ومقاييسها. ليست لديّ علاقات في تلك الأوساط، فالجائزة الوحيدة التي كنتُ أتابعها عن قرب في تلك الفترة كانت فعليًّا البوكر. لم أكن أعرف الكثير عن كتارا عندما فزت بها وكانت في تلك الفترة في دورتها الرابعة وهذا يُعتبر أمرًا حديثًا نسبيًّا. كان فوزي مفاجئًا فأنا أعلم بشأن الشلليّات والصداقات ولم أكن لأتوقّع هذا الخبر.
في كتارا ثلاث سمات: تشترك مع البوكر في أنّها تُمنح لكتّاب أحياء، إنّما تختلف عنها في أنّه لا قائمة قصيرة ولا قائمة طويلة وتفوز خمس روايات في المركز نفسه. ما من مراكز، فوز واحد لخمسة مؤلّفين بالمركز نفسه، كما أنّ قيمة كتارا أكبر من قيمة البوكر مادّيًّا.
القسم الثالث: دول الخليج في المشهد الأدبيّ.
ما زالت حواضر الأدب هي نفسها من حيث الإنتاج، دخل الخليج من حيث أنّه بات المضيف الذي يستقبل الجوائز والكتّاب والصحافيّين والنقّاد. برزت بعض الأسماء الخليجيّة طبعًا إنّما ككتلة لم يصل الخليج إلى أن يصير حاضرة أدبيّة. يتطوّر الخليج اليوم على صعيد المشهد الثقافيّ بشكل واضح لكنّ صفوة الأدب ما زالت في حواضر الأدب التقليديّة.
إذا استمرّ تواجد الخليج في المشهد الثقافيّ في المستقبل فسيكون ذلك بفضل وجود المبدعين فيه وليس بفعل المال والجوائز فقط.
يؤدّي الخليج دور الدار التي تحتفي بالأدب وتعرّف بأهله فهو المضيف ولكن إن لم يتحوّل الخليج إلى منتج فسيبقى مضيفًا فقط. يستضيف الخليج لكنّ سمة المنتج الأدبيّ تبقى للمكان الذي كُتب فيه.
أنتظر جديد الكتّاب الخليجيّين وأتابعهم.
قال الدكتور خالد السليطي مدير جائزة كتارا عندما اجتمعنا لنيل الجائزة "أنتم جميعكم لستم من قطر فجائزتنا للعرب ولكلّ من كتب لغة الضاد، إنّما سيتمّ تكليف الفنانين القَطريين بتصميم أغلفة كتبكم التي سنترجمها إلى الإنكليزية والفرنسية ليكون هناك نوع من التشارك، مصاهرة ولقاح بين قطر الدولة المضيفة والكتّاب القاديمن من غير دولة عربيّة."
يملك الخليج أموالاً كثيرة، ويمكنه أن يصرف ماله هذا على رفاه شعبه أو على التسلّح أو على مساعدة الدول الفقيرة أو على الإعلام، إنّما من الجميل أيضًا أن تُحوَّل الأموال إلى سلوك حضاريّ وهو الاحتفاء بالأدب. الثقافة درب الحضارة الإنسانيّة والاستثمار في الثقافة أمر رائع.
أرى تمويل الخليج للثقافة أمرًا جيداً وجميلاً، هذا دور إيجابيّ يؤدّيه الخليج والاحتفاء بالأدب لا يمكن إلاّ أن يكون جيّدًا. إنّ تشجيع صناعة الأدب يؤسّس لخلق أدباء مبدعين في الخليج في الأجيال القادمة.
تفوز الدول العربيّة عندما تتشارك وتتوزّع الأدوار فكلّ منها تملك خصائص تميّزها ولا تملكها الدول الأخرى، وتبادل الخبرات لن يكون إلاّ مفيدًا.