لماذا فضّل النبلاء في الإمبراطورية الروسية أن تكون الفرنسية لغة تعبيرهم؟
بافيل رومانيوتينكو

ثمة من ما يزال يتذكر قصائد الشعر الروسي القديمة؛ تكفي شهادة الأديب الروسي إيفان تورغينييف فيها: "يا لهذه اللغة الروسية العظيمة، القوية، القادرة، الصادقة، الحرّة..". 
تلك القصائد كانت أوديسات الأدب الروسي الكلاسيكيّ، لكن أبناء النبلاء الروس في أوائل القرن التاسع عشر كانوا يتحدثون فيما بينهم باللغة الفرنسية لا بالروسية. جاء على لسان أحد أبطال مسرحية (رئيس العمال) لمؤلفها د. ي. فونفيزين: "ولد جسدي في روسيا، لكن روحي تدين بالولاء للتاج الفرنسيّ!"؟. وكذلك في رواية (الحرب والسلام) لأديب روسيا "ليو تولستوي": "لقد تحدث الأمير باللغة الفرنسية الرائعة، التي لم يكن أجدادنا يتحدثون بها وحسب، بل وكانوا يفكرون بها أيضاً..".
كان نبلاء روسيا ينظرون إلى لغتهم الأم على أنها مبتذلة.. شعبية.. بسيطة، حتى أن القائد العسكري والديبلوماسي ميخائيل كوتوزوف (1745 – 1813) حين قال عبارته الشهيرة في الاجتماع العسكري في فيلي: "وحتى باستسلام موسكو فإن روسيا لم تخسر الحرب"، فقد نطق بها باللغة الفرنسية!
ولكن: منذ متى بدأت موجة تفضيل اللغة الفرنسية في روسيا القيصرية؟ 
في 10 مايو 1717 شوهدت في قصر فيرساي لوحةٌ للفنان "لويز هيرسنت"، يبدو فيها قيصر روسيا بيتر الأول يحمل في يديه العزيز لويس الخامس عشر، ملك فرنسا القادم..  
بدايات العلاقة مع فرنسا كانت في عهد هذا القيصر: "بيتر الأول"، الذي حاول إضفاء طابعٍ أوربيّ على روسيا. بيتر الأول كان شديد الإعجاب بفرنسا على وجه التحديد، ويأمل أن يتحالف معها ضد السويديين. وكان مهتماً أيضاً بشكل خاص بالعلوم والثقافة الأوربية. سافر إلى فرنسا ودرس في كنف الفرنسيين معظم الابتكارات الهندسية في ذلك الزمن، وتجول في مكتباتهم واستمع إلى محاضراتهم، وجلب معه إلى دياره اختصاصيين متميزين وكتباً فريدة.. 
بعد وفاة بيتر الأول تولّت العرش الروسيّ الإمبراطورة آنا إيفانوفنا، التي أحاط بها المستشارون الألمان وأوكلوا جميع مناصب الدولة تقريباً إلى مواطنيهم الألمان، وفي عهدها نُسي أمر الفرنسيين. 
بعد تولي إليزابيتا بتروفنا للعرش استعاد الفرنسيون مكانتهم السابقة، ففي عهدها بدأت ظاهرة: (الإعجاب بالغرب حدّ الانحناء له!). ثم لم يحمل عهد يكاترينا الثانية، التي اعتلت العرش بعد اليزابيتا سوى استمرار ظاهرة الإعجاب بالغرب وتعاظمها..
حتى بداية القرن التاسع عشر كانت المؤلفات الفرنسية تشغل ما يقارب 70% من مجموع الكتب في مكتبات النبلاء! يمكن إحالة هذه الظاهرة إلى تولّي النساء لعرش الدولة الروسية، وهؤلاء النساء كنّ متابعاتٍ لصيقاتٍ لتطور الموضة الغربية، ويعيد اللغويون أصول معظم المفردات الروسية المتعلقة بالثياب والموديلات والتصاميم إلى تلك الحقبة..
نشأت إليزابيتا إيفانوفنا، كابنةٍ صغرى للإمبراطور، منذ طفولتها على الطريقة الفرنسية، على التعاطف مع ثقافة فرنسا، كتبها، موسيقاها، تصاميمها، مسارحها، طريقة الفرنسيين في التعبير والتواصل وتناول الطعام.. وكانت اللغة الفرنسية تُسمع في ردهات قصر الإمبراطور الروسيّ أكثر بكثيرٍ من لغة البلاد.. 
كذلك تلقت يكاترينا الثانية تعليمها وثقافتها باللغة الفرنسية وعلى الطريقة الفرنسية، ولم تقصر جهداً في إثبات ولعها بـ (أوربا المتألقة) وتقرّبها منها. تجاوزت ايكاتيرينا سالفاتها من نساء العرش في هذا الشأن: فقد عقدت مراسلاتها مع فولتير وديدروـ وبخطوتها هذه أفسحت المجال للفرنسية لتصبح لغة معتمدة في المراسلات الدبلوماسية..
وجاءت الثورة البورجوازية وساهمت في تقوية التأثير الفرنسي. في عهد إليزابيتا بتروفنا بدأت موضة اعتماد المدرسين والمربين الفرنسيين الذين تدفّقوا إلى روسيا دون تدقيقٍ ولا شروط، يكفي أنهم يتكلمون الفرنسية. حتى لو كانوا من الغوغاء أو لو كنّ فتياتٍ من طبقات اجتماعية متدنية، فقد قدّموا أنفسهم معلمين وبدأوا في روسيا حياة جديدة وسكنوا في منازل لائقة، وبالغ بعضهم في تقديم أنفسهم كاختصاصيين فائقين يطلبون أجوراً مرتفعة، وصدّق النبلاء كلام هؤلاء الأوربيين  إلى أن صحت الحكومة من غفلتها وبدأت تتخلص من هؤلاء (الضيوف) بإخضاعهم إلى امتحان في أكاديمية العلوم لإثبات معارفهم وأهليتهم للتعليم. 
بعد الثورة الفرنسية تضاعفت أعداد المهاجرين الفرنسيين إلى روسيا، وجد أكثر من 15 ألف مواطناً فرنسياً لأنفسهم ملاذاً آمنا في روسيا، وكان معظمهم من أنصار الملكية. وتسّربتْ بعدها موجة أخرى من هجرة الفرنسيين نحو روسيا بعد هزيمة نابليون، وبقي في روسيا ما يقارب 190،000 سجينا فرنسياً تمّ ضمهم إلى صفوف المعلمين.
كان نابليون نفسه هو من وجّه ضربة للفرانكوفونية في روسيا، فقد بدأت طبقة الارستقراطيين الوطنيين بالتخلي عن اللغة الفرنسية وبدأت جماعاتٌ من مثقفي روسيا تتوجّه نحو ثقافتها وتاريخها الوطني. ففي هذا الوقت بالذات أصدر ن. م. كارامزين مجلداً ضخماً من عدة أجزاء بعنوان": تاريخ الدولة الروسية"، ولفت هذا المؤلف أنظار الكثيرين من مناصري الغرب ومن مناصري النزعة السلافية وأعادهم إلى ثقافة بلدهم الأم. هنا أيضاً بدأت المنشورات الحكومية تدعو إلى تعزيز الخطاب باللغة الروسية الأم.
في فترة الحرب الأهلية أصبح استخدام اللغة الفرنسية في الحديث يعرض صاحبه إلى اشتباهٍ قد يصل إلى حد التشكيك بولائه لوطنه روسيا. 
لقد شغلت فرنسا حقاً مكانتها الرائدة والمنيرة في أوربا، ثم تضاءل دورها بعد هزيمة نابليون. لكن الشغف سواء باللغة أو بالثقافة الفرنسية، وإن خفت وهجه قليلاً، إلا أنه ما يزال حياً حتى أيامنا هذه.